تقارير و مقالات

ليست السنة بل الإرادة: حينما تغدو الذات هي الوجهة والمسار

الفرق بين الرغبة والإرادة

هل تعتبر بداية السنة فيصلا مؤثرا في ما نحقق؟
  • الإرادة تنمو في أرض التأجيل الفوري للإشباع

كتب: د. أبي عادل القاسم.

مع بداية العام، تزدحم منصات التواصل الاجتماعي ومجالس الأصدقاء بالحديث عن “البدايات الجديدة”. تكتسي التقاويم باللون الأبيض، وكأنها تمنحنا صكاً بالغفران عن إخفاقات الماضي، وتعدنا بنسخة أفضل منا دون زاد من الإرادة بمجرد أن تدق الساعة الثانية عشرة منتصف الليل.

لكن، من منظور علم النفس الوجودي والسلوكي، هل يكمن السحر حقاً في الرقم “2026” أو غيره؟ أم أننا نقع ضحية لفخ ذهني يُسمى “وهم البداية النظيفة”؟

إن الحقيقة التي يتهرب منها الكثيرون هي أن الأرقام لا تصنع التغيير؛ الأرقام مجرد وحدات قياس للزمن، بينما الإرادة هي وحدة القياس للإنسان. المقال التالي يغوص في أعماق النفس البشرية ليفكك شفرة الالتزام، ويوضح لماذا نحتاج إلى “الإرادة” لا إلى “سنة جديدة”.

الإرادة
السنوات مجرد أرقام

فخ “عتبة الزمن”: لماذا نفشل في البدايات؟


يميل العقل البشري إلى البحث عن “نقاط الفصل” (Temporal Landmarks). نحن نحب فكرة أن نبدأ يوم الاثنين، أو أول الشهر، أو بداية السنة. يمنحنا هذا شعوراً بالانفصال عن “ذاتنا القديمة” التي كانت تماطل أو تكاسل، أو ربما لم تتوفر فيها الإرادة.

سيكولوجياً، هذا الانفصال مريح، لكنه خطر. عندما نربط أهدافنا بتوقيت خارجي (السنة)، فإننا نضع مركز السيطرة (Locus of Control) خارج ذواتنا. فإذا تعثرنا في الأسبوع الثاني من شهر يناير، يشعر العقل بأن “السنة قد خربت”، ويبدأ في تأجيل المحاولة للعام القادم.

هنا تكمن المشكلة: الاعتماد على حماس البدايات بدلاً من متانة الإرادة.

الإرادة
القوة الحقيقية تكمن في إرادتنا نحو التغيير

الإرادة كعضلة وليست فكرة!


في علم النفس، لا تُعتبر الإرادة مجرد “رغبة قوية”، بل هي وظيفة تنفيذية في المخ ترتبط بالقشرة الجبهية. هي طاقة محدودة تستهلكها القرارات اليومية. لذلك، فإن الذين ينتظرون “السنة الجديدة” ليتغيروا، يستهلكون كل طاقتهم في “التخطيط والحلم”، وعندما يحين وقت “التنفيذ”، تكون عضلة الإرادة قد أُنهكت من فرط التوقعات المثالية.

فلسفة الالتزام: الهروب من عبودية “المزاج”


أكبر عائق أمام تحقيق الأهداف ليس نقص القدرات، بل هو “الارتهان للمزاج”. نحن نعيش في عصر يقدس المشاعر؛ “افعل ما تحب”، “اتبع شغفك”. لكن الالتزام الحقيقي يبدأ عندما ينتهي الشغف.

الفرق بين الرغبة والإرادة

  • الرغبة: هي شعور عابر بالاحتياج لشيء ما (أريد أن أكون رشيقاً).
  • الإرادة: هي القرار الواعي بالاستمرار في الفعل حتى في غياب الرغبة (سأمارس الرياضة رغم أنني أشعر بالكسل).

إن الالتزام بالأهداف يتطلب نوعاً من “التعاقد النفسي” مع الذات. في علم النفس السلوكي، يُعرف هذا بـ “إعادة الهيكلة المعرفية”، حيث يتوقف الشخص عن رؤية الهدف كعبء ثقيل، ويبدأ في رؤيته كجزء من هويته الجديدة.

الشخص الذي يريد الإقلاع عن التدخين لا يقول “أنا أحاول التوقف”، بل يقول “أنا لست مدخناً”. هذا التحول من “الفعل” إلى “الهوية” هو جوهر الإرادة.

الإرادة
ضبط الموقت وتحديد الهدف هو عنوان تنظيم العام

كيف نبني إرادة تتجاوز تقلبات الفصول؟


لكي لا يكون هدفك مجرد “أمنية رأس سنة” تذبل في فبراير، عليك اتباع استراتيجيات نفسية تعزز من صمودك:

  1. قاعدة “الأهداف الصغرى” (Micro-Goals)
    العقل يخشى الأهداف الكبيرة لأنها تحفز مركز القلق (اللوزة الدماغية). بدلاً من قول “سأقرأ 50 كتاباً هذا العام”، قل “سأقرأ صفحة واحدة قبل النوم”. الإرادة تتقوى بالإنجازات الصغيرة، لأن كل إنجاز يفرز مادة “الدوبامين” التي تحفزك للاستمرار.
  2. التقبل الراديكالي للتعثر
    أحد أكبر أسباب التخلي عن الأهداف هو “تأثير كل شيء أو لا شيء”. إذا فاتك يوم من الدايت، لا تفسد الأسبوع كاملاً. الإرادة الحقيقية تظهر في “القدرة على العودة” بعد السقوط، وليس في “المثالية” وعدم السقوط أبداً.
  3. بيئة تدعم الإرادة
    لا تعتمد على قوة إرادتك وحدها في بيئة مغرية. علم النفس البيئي يؤكد أن تصميم محيطك يقلل من الجهد المطلوب من إرادتك. إذا أردت التركيز، ابعد هاتفك عن غرفتك. الإرادة الذكية هي التي تعرف كيف تتجنب المعارك الخاسرة مع المغريات.

سيكولوجية الصبر: لماذا نستعجل النتائج؟


نحن نعيش في “زمن الميكروويف”، حيث نريد كل شيء فوراً. لكن الإرادة تنمو في أرض “التأجيل الفوري للإشباع” (Delayed Gratification). تجربة “المارشميلو” الشهيرة في جامعة ستانفورد أثبتت أن الأطفال الذين استطاعوا مقاومة إغراء أكل الحلوى فوراً مقابل مكافأة أكبر لاحقاً، كانوا أكثر نجاحاً واستقراراً نفسياً في كبرهم.


الالتزام بالهدف هو تمرين يومي على إخبار “ذاتك الحاضرة” (التي تريد الراحة) بأن “ذاتك المستقبلية” (التي تريد النجاح) تستحق التضحية. السنة لن تمنحك هذا الصبر، بل إرادتك المنبثقة من وعيك بقيمتك هي من ستفعل.

تحويل “الألم” إلى “وقود”


الالتزام بالأهداف مؤلم أحياناً. الاستيقاظ مبكراً مؤلم، والمذاكرة لساعات طويلة مؤلمة. لكن في علم النفس الإيجابي، هناك مفهوم يُسمى “النمو بعد الصدمة” أو التحدي. الإرادة لا تُبنى في الرخاء، بل تُصقل في لحظات المقاومة.

عندما تشعر بالرغبة في الاستسلام وتستمر، أنت هنا لا تحقق هدفك فحسب، بل “تعيد صياغة دماغك” ليكون أكثر صلابة.


ليست القوة في أن تملك إرادة حديدية، بل في أن تعرف كيف توجه إرادتك المكسورة نحو الضوء مرة أخرى.”

خاتمة:

عامك يبدأ الآن، وليس في يناير.


إن انتظار “السنة الجديدة” هو نوع من المماطلة المقنعة برداء الأمل. الحقيقة النفسية الصادمة هي أنك إذا لم تكن قادراً على البدء “الآن”، في ظروفك الحالية، وبإرادتك الراهنة، فلن تتغير في يناير.


السنة هي وعاء زمني فارغ، نحن من نملاه بالمعنى. الإرادة هي القلم الذي يكتب القصة، والالتزام هو الحبر الذي لا ينضب. اجعل بوصلتك هي “لماذا أريد هذا؟” بدلاً من “متى سأبدأ؟”.


فالأهداف لا تتحقق بمرور الأيام، بل بمرور العزيمة من خلال تلك الأيام. لا تطلب سنة سعيدة، بل اصنع “إرادة قوية”، وحينها ستكون كل السنوات في خدمتك.


هل تشعر أن هناك هدفاً معيناً يمثل تحدياً خاصاً لإرادتك في هذه الفترة؟ يمكنني مساعدتك في تصميم “خطة التزام” مبنية على خطوات نفسية صغيرة وعملية.

بقلم🖋
أبي عادل القاسم الجاك
اختصاصي ومعالج نفسي
رقم العيادة الاونلاين واتساب
00249116071234

بواسطة
د. أبي عادل القاسم
المصدر
خاص: شبكة أسبالتا الإخبارية

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى