تقارير و مقالات

التدخل العسكري الأمريكي في أمريكا الجنوبية: الجذور، الدوافع، والنتائج

هجوم خليج الخنازير: نموذج التدخل العسكري الأمريكي في كوبا

لم يكن التدخل العسكري الأمريكي في أمريكا اللاتينية مدفوعا فقط بدوافع سياسية وأيديولجية
  • مع بداية بُروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوةٍ عالمية أواخر القرن التاسع عشر أصبح التدخل العسكري الأمريكي في دول أمريكا الوسطى والجنوبية واضحا ومباشرا

لم يكن التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا مع بداية عام 2026 مفاجئا للساسة حول العالم بل حتى لمواطني دول في أمريكا الجنوبية طالما رأوا التدخلات الأمريكية تشكِّل المشهد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في بلدانهم.

منذ القرن التاسع عشر اجترحت الولايات المتحدة سياسة خارجية عنوانها التدخلات في أمريكا الجنوبية والوسطى بذرائع مثل حماية الأمن القومي أو المصالح الاقتصادية، أو محاربة خصوم يختلفون عن الولايات المتحدة في الأيديوجيا، وهي تدخلات تركت آثارها العميقة على الدول الضحية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

التدخل العسكري الأمريكي: الجذور التاريخية

في عام 1823 صدر إعلان مبدأ مونرو، الذي رفض أي تدخل أوروبي في الشأن اللاتيني، وبالرغم من شكل الإعلان ومضمونه الدفاعي الهادف إلى مواجهة التدخلات الأوروبية إلا أنه كان مدخلا للتدخل العسكري الأمريكي.

ومع بداية بُروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوةٍ عالمية أواخر القرن التاسع عشر أصبح التدخل العسكري الأمريكي في دول أمريكا الوسطى والجنوبية واضحا ومباشرا، خاصة بعد الحرب الأمريكية الإسبانية عام 1898.

بدايات الهيمنة الأمريكية على كوبا

يشار دائما إلى كوبا باعتبارها أكثر الدول تأثرا بالتدخل العسكري الأمريكي، حيث لم تحصل كوبا على استقلالها عقب انكسار إسبانيا في 1898 ، وإنما خضعت للقوة الأمريكية حيث أعطى تعديل بلات الولايات المتحدة حق التدخل العسكري والسياسي في الشؤون الكوبية.
وتكرر التدخل العسكري الأمريكي في كوبا في النصف الأول من القرن العشرين، غير أن هذه التدخلات أثرت بشكل بالغ عندما دعمت الولايات المتحدة نظام “فولغينسيو باتيستا” العسكري الموالي لها، وذلك ما تسبب في غضبة شعبية أفضت بدورها إلى اندلاع الثورة الكوبية التي قادها فيديل كاسترو عام 1959.

التدخل العسكري الأمريكي
أسرى عملية خليج الخنازير في 1961

هجوم خليج الخنازير: نموذج التدخل العسكري الأمريكي في كوبا

كان هجوم خليج الخنازير في عام 1960 أبرز نماذج التدخل العسكري الأمريكي في كوبا، فبعد أن نجحت الثورة الكوبية في اجتثاث النظام الموالي للولايات المتحدة، واتجهت كوبا نحو تطبيق الاشتراكية، رأت الولايات المتحدة أن ذلك الاتجاه يشكل سلوكا عدائيا، ولم تشأ السماح له بالتمدد والرسوخ.

خططت وكالة المخابرات الأمريكية لعملية عسكرية تهدف لاقتلاع الحكومة الكوبية الجديدة، حيث قامت بتدريب وتسليح عدد كبير من الكوبيين الذين كانوا في المنفى وأنزلتهم في أبريل 1961 في خليج الخنازير، إلا أن القوات الكوبية سحقت الهجوم وأفشلته خلال أيام.

كانت تلك الواقعة مدخلا لحدوث أزمة الصواريخ الكوبية التي شكلت سلسلة أحداث كانت أبرز أحداث الحرب الباردة وكادت أن تقود إلى حرب عالمية ثالثة.

التدخل العسكري الأمريكي
أسرى عملية خليج الخنازير

التدخلات العسكرية الأمريكية في أمريكا الوسطى

عانت نيكاراغوا تدخلات أمريكية متوالية ما بين عامي 1912 و1933 بحجة دعم الاستقرار وحماية المصالح الاقتصادية، وقدمت الولايات المتحدة الدعم لعسكريين لينفذوا انقلابا على حكومة منتخبة في غواتيمالا عام 1954، وكان ذلك الحدث سببا في حرب أهلية استمرت طويلا.

أمريكا الجنوبية والحرب الباردة

خلال فترة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة اتخذ التدخل العسكري الأمريكي في أمريكا الجنوبية طابعا أيديولوجيا، وكان الهدف الأبرز لكل التدخلات هو منع انتشار الشيوعية في البلدان اللاتينية.

وفي سياق تلك التجاذبات دعمت الولايات المتحدة انقلابا عسكريا أطاح بحكومة الرئيس المنتخب سلفادور أليندي في تشيلي عام 1973، بينما تسبب الدعم الأمريكي لأنظمة قامعة في البرازيل والأرجنتين في انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في الدولتين.

الدوافع الاقتصادية للتدخلات الأمريكية في أمريكا الجنوبية

لم يكن التدخل العسكري الأمريكي في أمريكا اللاتينية مدفوعا فقط بدوافع سياسية وأيديولجية، فقد كان الدافع الاقتصادي من أبرز الدوافع، حيث رغبت الشركات الأمريكية في حماية مصالحها خاصة في أمريكا الوسطى.

وشكلت ما تسمى تاريخيا ب “حروب الموز” تمظهرا واضحا لعلاقة التدخل العسكري الأمريكي بالطموحات الاقتصادية المرتبطة بمصالح شركات الفاكهة الأمريكية في أمريكا الوسطى.

التدخل العسكري الأمريكي
هايتي 1994

المآلات السياسية والاجتماعية للتدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية

تسبب التدخل العسكري الأمريكي تاريخيا في مشكلات مزمنة أبرزها عدم الاستقرار السياسي وتراجع الديمقراطية والحروب الأهلية وانتشار الانقلابات العسكرية.

وتسببت التدخلات الأمريكية في فقر مزمن تعاني منه شعوب بكاملها مع انعدام المساواة وتنامي انتهاكات حقوق الإنسان وتزايد الشعور المعادي للولايات المتحدة على المستوى الشعبي.


ختاما

كان إضعاف السيادة الوطنية قاسما مشتركا بين كل الدول التي كانت ضحية التدخل العسكري الأمريكي في أمريكا اللاتينية، وحرم ذلك هذه الدول من التطور الطبيعي والحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتطورة.

وبالرغم من تقادم السنوات على أحداث بعينها وقعت بحجة حماية الديمقراطية أو محاربة الشيوعية إلا أن الآثار ما زالات مشهودة وترمي بظلالها حتى اليوم.

عند بحث معيقات التنمية والاستقرار في حياة شعوب أمريكا اللاتينية لابد من النظر بإنصاف إلى تاريخهم الطويل الملون بفرشاة المعاناة والإقعاد الممتد عبر القرون.

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى