تقارير و مقالات

اليوم الدولي للتعليم في السودان: من حق كل المختلفين أن يتعلموا

التعليم في السودان: جسر فوق خراب الحرب

تمثل مرحلة ما بعد الحرب فرصة ذهبية للسودان للقفز نحو تعليم يواكب المستقبل
  • يمكن الاستثمار في التعليم التقني والمهني لتأهيل الشباب لإعادة الإعمار

بقلم: د. نجلاء عبد المحمود أحمد الجيلي.

في اليوم الدولي للتعليم، ونحن نستعيد ذكرى هذه المناسبة العالمية، يتجدد الأمل في سماء السودان الذي بدأ يلملم جراحه بعد سنوات من الحرب.

اليوم، ننظر إلى التعليم في السودان ليس كحق أساسي فحسب، بل كجسر نحو المصالحة، وأداة لإعادة البناء، وضمانة لمستقبل يجمع المختلفين تحت مظلة المعرفة والكرامة الإنسانية.

التعليم في السودان: جسر فوق خراب الحرب

لقد تركت الحرب في السودان إرثاً ثقيلاً: بنى تحتية مدمرة، ونزوحاً جماعياً، وشرخاً اجتماعياً عميقاً بين مكونات المجتمع. لكن في قلب هذا الدمار، يظل التعليم في السودان هو المنارة التي يمكن أن ترشد الأجيال نحو بر الأمان.

التعليم بعد الحرب ليس ترفاً، بل ضرورة حيوية لإعادة بناء النسيج الاجتماعي، وتمكين الجيل الجديد من حمل مشعل السلام.

حق كل المختلفين: التعليم الجامع كمساحة للتقارب

من حق الطفل في دارفور الذي عانى ويلات النزاع، ومن حق الطفلة في النيل الأزرق التي حرمت من مقعد الدراسة، ومن حق ابن المدن الذي شهد تحولاً جذرياً في حياته بسبب الصراع – من حق جميع هؤلاء وغيرهم أن يحصلوا على تعليم جيد وشامل.

التعليم الجامع في مرحلة ما بعد الحرب يجب أن:

· يرفع شأن المعلم الذي سيكون حجر الزاوية في إعادة البناء، من خلال تأهيله وتدريبه ليصبح ليس فقط ناقلاً للمعرفة، بل عاملاً للمصالحة وبناء السلام.
· يطور المناهج لتكون شاملة تعترف بتنوع السودان الثقافي واللغوي والديني، وتعلم قيم التسامح والحوار واحترام الاختلاف.
· يضمن المساواة في الوصول للتعليم بغض النظر عن النوع الاجتماعي، أو المنطقة الجغرافية، أو الخلفية الاجتماعية.

رفع شأن المعلم: المهندس الحقيقي لإعادة البناء

لا يمكن الحديث عن نهضة التعليم في السودان دون إعادة الاعتبار للمعلم. فبعد سنوات من الحرب، يحتاج المعلمون إلى دعم نفسي ومهني ليكونوا قادرين على التعامل مع آثار الصدمة لدى الطلاب، وفي الوقت نفسه، نقل رسائل السلام والمصالحة.

برامج التدريب والتأهيل يجب أن تركز على مهارات حل النزاع والتربية على السلام، إضافة إلى المهارات التقنية لمواكبة متطلبات العصر.

المناهج الجديدة: من ثقافة الحرب إلى ثقافة السلام

تقع على عاتق المناهج الدراسية في السودان بعد الحرب مسؤولية تاريخية. يجب أن تتحول من مناهج قد تكون ساهمت في تأجيج الصراع، إلى مناهج تبني السلام وتعزز الانتماء الوطني الجامع. هذا يتطلب:

· إدماج مادة “تربية السلام” في جميع المراحل التعليمية
· الاعتراف بالتنوع الثقافي السوداني وإبرازه كثراء وليس مصدراً للانقسام.
· تعليم التاريخ بموضوعية وشمولية، والتعامل مع الذاكرة الجمعية بمسؤولية.
· تعزيز مهارات التفكير النقدي والحوار البناء.

فرص التحول: التعليم التقني والرقمي

تمثل مرحلة ما بعد الحرب فرصة ذهبية للسودان للقفز نحو تعليم يواكب المستقبل.

يمكن الاستثمار في التعليم التقني والمهني لتأهيل الشباب لإعادة الإعمار، كما يمكن توظيف التكنولوجيا التعليمية لتجاوز تحديات البنى التحتية ووصول التعليم إلى المناطق النائية والمتأثرة بالنزاع.

التحديات والطريق إلى الأمام

رغم التحديات الكبيرة المتمثلة في نقص التمويل وتهالك البنية التحتية والحاجة إلى الكوادر المؤهلة، فإن الإرادة السياسية والشراكات الدولية والمبادرات المجتمعية يمكن أن تحول التعليم في السودان من أداة محتملة للصراع إلى ركيزة للسلام الدائم.

الخاتمة: تعليم واحد لمستقبل مشترك

في اليوم الدولي للتعليم، ينادي ضمير الإنسانية بأن من حق كل طفل سوداني – بغض النظر عن انتمائه أو منطقه أو جنسه – أن يحصل على تعليم جيد يحفظ كرامته ويطلق إمكانياته.

التعليم في السودان بعد الحرب ليس خياراً بين خيارات، بل هو الاستثمار الأهم في السلام والتنمية والوحدة الوطنية. فلنبني معاً صفوفاً دراسية تكون مساحات آمنة للتعلم والحوار، ولنرفع من شأن المعلم ليصبح مهندس المستقبل، ولنطور مناهج تزرع بذور السلام في عقول وقلوب أجيال قادمة ستكمل مسيرة البناء.

اليوم، من حق كل المختلفين في السودان أن يتعلموا معاً، ومن واجب الجميع أن يعملوا من أجل تعليم يضم ولا يفرق، يبني ولا يهدم، يصلح ولا يفسد. لأن مستقبل السودان يبدأ في الفصل الدراسي، حيث يجلس الأطفال المختلفون جنباً إلى جنب، يتعلمون أن مستقبلهم مشترك، وأن غدهم سيكون أفضل من أمسهم.

بواسطة
د. نجلاء عبد المحمود
المصدر
خاص: شبكة أسبالتا الإخبارية

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى