- يسمي المؤرخون الحرب في الكونغو الديمقراطية ب "الحرب العالمية الأفريقية" لسبب مشاركة عدة دول أفريقيا فيها
في التاريخ الحديث وعند الحديث عن مسببات إقعاد بعض الأمم عن التقدم تبرز أسباب من بينها الاستعمار والجهل والقبلية، إلا أن حروب أفريقيا التي استمرت لعقود طويلة تعتبر أبرز الأسباب التي أفضت إلى سقوط ملايين الضحايا وخلفت آثارا مدمرة على المجتمعات والاقتصادات.
وبالرغم من اختلاف السياقات السياسية والعرقية والاقتصادية إلا أن حروب أفريقيا تجتمع تحت قاسم مشترك هو ضعف الدولة الوطنية بعد التحرر من الاستعمار الأوروبي، وتكاد تشترك حروب أفريقيا في الصراع على السلطة والموارد، والتدخلات الخارجية .
أطول حروب أفريقيا: الحرب السودانية الأولى والثانية
يشار إلى التجربة السودانية على أنها المثال الأوضح لطول وتعقيد حروب أفريقيا، حيث اشتعلت الحرب الأهلية الأولى في عام 1955 أي قبل عام من استقلال السودان، وانتهت في عام 1972.
كانت حربا معقدة بكل المقاييس، غذتها دعاوى التهميش السياسي والثقافي قبل أن تخمد باتفاقية أديس أبابا التي منحت جنوب السودان حكما ذاتيا.
وبسبب عدم معالجة جذور الأزمة التي تسببت في اندلاع الحرب الأولى عادت الحرب إلى الاشتعال مرة أخرى في عام 1983 واستمرت حتى 2005، أي لمدة 22 عاما، وكانت بذلك أطول حروب أفريقيا.

وانتهت الحرب السودانية الثانية والتي كانت عنيفة ومدمرة بتوقيع اتفاقية نيفاشا التي قادت بدورها إلى انفصال جنوب السودان ليكون جمهورية مستقلة.
وتواصلت في الدولتين _السودان وجنوب السودان _ حروبهما الداخلية حتى الآن بأسباب عنوانها عدم الاستقرار السياسي.
الحرب الأهلية في أنغولا
في عام 1975 اشتعلت الحرب الأهلية في أنغولا، واستمرت بوحشية في حصاد الأرواح وإحراق الفائض من الناتج المحلي والذي كان من الممكن أن يتسبب في النهوض بالدولة حتى عام 2002، أي لنحو 27 عاما، وبذا كانت من أطول حروب أفريقيا.
اندلعت الحرب في أنغولا بعد جلاء المستعمر البرتغالي بين حركات تحررية سابقة، وأسهمت الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة في تأجيج الصراع من خلال التدخلات من الطرفين وأطراف أخرى.
ووضعت الحرب أوزارها في أنغولا بعد مقتل زعيم حركة “يونيتا” جوناس سافيمبي، وإدراك الأطراف المتقاتلة أن الحرب لا يمكن أن تحسم بالسلاح، فغدت من حروب أفريقيا التي أنهاها تغيير ميزان القوة على الأرض.

الحرب الأهلية في موزمبيق
لا ينسى الناس عند تعدادهم حروب أفريقيا الطويلة التوقف عند محطة دموية فاجعة هي الحرب الأهلية في موزمبيق.
بدأت الحرب في هذه الدولة الغنية بالموارد الطبيعية في عام 1977 وانتهت في عام 1992، أي استمرت لنحو 15 عاما.
كان الصراع مدمرا عندما اشتعل بين الحكومة الموزمبيقية وحركة “رينامو” وسط أجواء متوترة أصلا في الإقليم، وتوقف القتال بتوقيع اتفاقية روما للسلام في عام 1992، وكانت اتفاقية مثمرة قادت إلى انتخابات وتعددية سياسية.
ويعتبر عدد من الخبراء السياسيين التجربة الموزمبيقية مثالا للقدرة الأفريقية على المحافظة على السلام بعد الحرب.
الحرب في الصومال لم تنته رسميا
منذ انهيار الدولة وذوبان ملامحها في عام 1991 يعيش الصومال أطول حروب أفريقيا المستمرة بلا نهاية واضحة ورسمية.
لا يزال الصراع المفتوح متعدد الأشكال قائما في الصومال، حيث لم تنته الحرب باتفاق سلام شامل، وإنما تحولت البلاد إلى ساحة مصادمات متقطعة ودعوات انفصالية، وميدانا واسعا للجماعات المسلحة والتدخلات الدولية.
وتبين الحالة الصومالية أن بعض حروب أفريقيا لا تنتهي بشكل رسمي وإنما تتغير وتيرتها وأطرافها في ظل غياب دولة قوية تفرض الأمن والاستقرار.

الحرب في الكونغو الديمقراطية
يسمي المؤرخون الحرب في الكونغو الديمقراطية ب “الحرب العالمية الأفريقية” لسبب مشاركة عدة دول أفريقيا فيها.
الحرب التي اندلعت فيما بين عامي 1996 و 2003 بالرغم من قصر عمرها مقارنة بحروب أفريقيا الأخرى إلا أنها كانت الأكثر إسالة للدماء.
انتهت هذه الحرب باتفاقات سلام، غير أن العنف ما زال مستمرا شرق الكونغو وما زالت مخيمات اللاجئين قائمة تقتات منها الأوبئة والمجاعة.
كيف انتهت حروب أفريقيا الطويلة؟
النظرة التاريخية لحروب أفريقيا ترينا أن نهاياتها تتخذ أشكالا متباينة:
1/ اتفاقيات سياسية كما في الحالتين السودانية والموزمبيقية.
2/ الإنهاك العسكري وانهيار الأطراف كما بدا في التجربة الأنغولية.
3/ التدخل الدولي أو الإقليمي الذي كان ناجحا في بعض الحالات ومحدود النتائج في حالات أخرى.
4/ تحول الحرب إلى صراع منخفض الحدة دون أن يتوقف بشكل رسمي كما هو الحال القائم في الصومال.
الخاتمة
توضح أطول حروب أفريقيا أن الوصول إلى السلام الحقيقي وتحقيق الاستقرار لا تحققه فقط الاتفاقيات، وإنما معالجة جذور الصراع والنظر فيها بإرادة بقاء الدولة موحدة وقوية، حتى لا تتأخر أكثر بين أوحال التخلف الحضاري والتنموي وتبدأ في الاستفادة من مواردها لرفاهية شعبها.
كما أثبت التاريخ الأفريقي الحديث أن التقسيم وولادة الدول الجديدة ليس حلا ناجحا لتحقيق آمال الشعوب، وإنما قد يقود إلى حروب جديدة، وأن الأفضل هو التواضع والتنازل لحل الخلافات بصدق في إطار وحدة المصير.