كيف يقود الاستقطاب القبلي لتحويل الصراعات السياسية إلى حروب طويلة الأمد؟
آليات الاستقطاب القبلي وآثاره الاجتماعية والسياسية
- في الغالب يحتمي الأشخاص بكياناتهم المجتمعية وقبائلهم عندما تضعف الدولة، إلا أن ذلك يزيد حجم المخاطر التي تحيط بهم وتهددهم لأن القبيلة لا يمكن أن تحل محل الدولة
أثبتت الأحداث التاريخية والواقع الاجتماعي أن المجتمعات التي تتسم بنياتها الاجتماعية بالروابط العشائرية والقبلية ينتقل فيها الخلاف السياسي إلى صراع مفتوح حالما يدخل الاستقطاب القبلي في المعادلة.
تولد الأزمات في المعتاد في رحم المطالب السياسية أو التنافس على السلطة أو الموارد الاقتصادية، غير أن الاستقطاب القبلي يعيد تعريف النزاع ويمنحه صفة غير صفته الأصلية ليكون معركة هوية ووجود لا مجرد خلاف سياسي يمكن أن ينتهي على مائدة التفاوض.
في خضم صراعات داخلية متعددة ألمت بالشعوب ذات الطابع القبلي أغفل مطلقو الدعاية السياسية خطر الاستقطاب القبلي، وفي كثير من الشواهد حولوا الصراع من مستوى المصالح إلى مستوى الانتماء.
في النزاعات السياسية التقليدية يكون الباب مفتوحا دائما للتوصل إلى حلول واتفاقات، وذلك لا يكون متاحا عندما يعاد تعريف الصراع على أنه نزاع بين قبيلتين أو مكونين اجتماعيين، يصعب ذلك على الوسطاء أو حتى الراغبين في التسوية طرق بابها لأنها تصنف وقتها ك ” خيانة للجماعة أو العشيرة “.
آليات الاستقطاب القبلي وآثاره الاجتماعية والسياسية
أبرز آليات الاستقطاب القبلي هي تعبئة المواطنين من خلال خطاب عاطفي يستند إلى مفاهيم مرتبطة بالشرف والكرامة والتاريخ المشترك والمصير الواحد.
ولا يهدف خطاب الاستقطاب القبلي أو الجهوي إلى إقناع الأشخاص والمجتمعات ببرنامج سياسي معين، بل يهدف إلى دفعهم نحو القتال دفاعا عن هويتهم الجمعية.
في هذه المرحلة تتغير طبيعة النزاع السياسي ليتحول إلى ساحة سباق تعبوي حاشد وواسع تكون نتيجته اتجاه فئات كبيرة من المجتمع في النزاع بدافع الانتماء فقط لا بدوافع لها علاقة بالقناعة السياسية.
ويؤثر الاستقطاب القبلي كثيرا على الدولة، فيسبب تراجع سلطتها تدريجيا، خاصة في مرحلة من مراحل التفكك قد تنحاز فيها مؤسسات رسمية إلى طرف أو يتم اتهامها بذلك فتفقد شرعيتها لدى الطرف الثاني.
ومن مخاطر الاستقطاب القبلي نشوء المجموعات المسلحة القبلية والجهوية ليكون السلاح أداة حماية ذاتية، وبتكاثر المجموعات المسلحة يصبح احتكار الدولة للعنف مجرد فكرة نظرية غير موجودة في الواقع، وذاك من أخطر منتوجات الخطاب غير المسؤول خلال النزاعات السياسية.
ومن الآثار الاجتماعية الكبيرة التي يسببها الاستقطاب القبلي تغذية الثأر، والتي تطيل أمد الحروب، يحدث ذلك عندما يسقط الضحايا الذين لا ينظر إليهم كضحايا حرب سياسية بل يعد الأمر اعتداء على الجماعة أو القبيلة بكاملها، وهنا تبدأ ردود الأفعال الانتقامية المتسلسلة والتي تستمر عقودا من الزمن مع تنامي الكراهية، ويصعب ذاك إمكانية الحل السلمي.
في وجود الاستقطاب القبلي لا يعود النزاع سياسيا كما بدا، فهو يتعمق إلى روح المجتمع ويحدث فيها انقساما لا يمكن تداركه حتى إن تم التوصل إلى اتفاق سياسي، فالأجيال تتناقل الروايات وتحمل الطرف الآخر مسؤولية الكارثة، وبهذا يعيد المجتمع تناسل حالة العداء ليتكون مكبوتة تتفجر عند حدوث أبسط الخلافات السياسية.
عند تناول الأثر المدمر للاستقطاب القبلي لا يمكن تجاهل البعد الجغرافي والديموغرافي بسبب فتحه أبواب التدخل الخارجي الداعم للطرفين، ويقود ذلك بدورة إلى إطالة عمر الصراع ولا يمكن حسمه سريعا لإنهاء المعاناة.
ليس ذاك وحده، فاستمرار النزاعات يعد عند بعض القوى وسيلة للاستثمار السياسي، مما يغرق المجتمعات في دوامات من العنف تقود إلى تشظ يصعب إيقافه.
الاستقطاب القبلي واقتصاد الحرب
كثيرا ما ولد اقتصاد الحرب من رحم الاستقطاب القبلي بظهور مجموعات مصالح مستفيدة من استمرار النزاع عن طريق التجارة غير المشروعة في المخدرات والأسلحة والوقود والسلع الأساسية وعن طريق السيطرة على الموارد العامة.
مع مرور الوقت وتقدم عمر النزاع يكون إنهاء النزاع خطرا على مصالح المجموعات المستفيدة منها، فتسعى بدورها إلى إفشال إلى محاولة للوصول إلى تسوية تنهي حالة الصراع، لتكون النتيجة تحويل النزاع من حالة استثنائية طارئة إلى واقع دائم تسعى بعض القوى لاستدامته بغض النظر عن أعداد الضحايا وحجم الخسارة.
أكثر ما يخيف الناس على أوطانهم ومستقبلها ووحدتها هو اختزال الاستقطاب القبلي للسياسة في الهوية وبث خطاب يحاول إقناع العامة بأن أمنهم الشخصي وبقائهم مرتبط بانتصار قبيلتهم وقضائها على الآخرين لا باستقرار جميع المكونات الاجتماعية في الدولة.
هذا الخطاب وذلك التصور يهدد الدولة بنسف مفهوم الهوية الجامعة والمواطنة المتساوية لصالح انتماءات قبلية أضيق تعمق الانقسام وتقود إلى فناء الجميع.
أمثلة على إسهام الاستقطاب القبلي في استمرار الحروب والانقسامات
يشار إلى الصومال دائما باعتباره النموذج الأبرز لتفكك الدولة بفعل الانقسامات القبلية.

في عام 1991 سقط نظام الرئيس محمد سياد بري فانهارت مؤسسات الدولة بشكل كامل، ودخلت العشائر في صراع عنيف للسيطرة على العاصمة مقديشو والموانئ المهمة والموارد العامة مما قاد إلى هذه النتائج:
1/ تغييب الدولة الحقيقية لسنوات.
2/ ظهور أمراء حرب قبليين.
3/ إنقسام فعلي إلى كيانات مهددة للوحدة الوطنية “إقليم أرض الصومال“.
في الحالة الصومالية كان العامل القبلي عنصرا مؤذيا ومتحكما في منع إعادة بناء الدولة.
أما في ليبيا فقد ظهرت انقسامات قبلية وجهوية كبيرة بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011 ، وظهرت تحالفات سياسية وعسكرية قامت على أسس قبلية ساقت البلاد إلى عدد من النتائج الكارثية أبرزها:
1/ تعدد المجموعات المسلحة.
2/ صعوبة توحيد الجيش في جيش وطني واحد.
3/ انقسام مؤسسات لدولة بين شرق البلاد وغربها.

وبالرغم من أن الصراع في ليبيا لم يكن قبليا صرفا إلا أن بنية المجتمع القبلية والاستقطاب القبلي لعبا دورا في تكوين واقع اليوم.
لم تستطع الدولة الحديثة في اليمن إدارة التنوع القبلي بمنهج يمنع استخدامه في تفتيت البلاد، بل لعبت القبائل دورا أساسيا في التوازنات السياسية لعقود، وهو ما أزم الأوضاع عند اندلاع النزاع عام 2014 وأدى إلى:
1/ تعميق الانقسام الجغرافي في البلاد.
2/ تصعيب الوصول إلى تسوية.
3/ نشوء اقتصاد حرب كبير تديره تحالفات القبائل.
الحقيقة أن البنية القبلية في اليمن لم تكن سببا في اندلاع الحرب، إلا أن الاستقطاب القبلي أسهم في تعقيدها واستمرارها.
الحالة الأفغانية تحمل شيئا من التعقيد ما بين أيديولوجيا وسياسة، غير أن الاستقطاب القبلي تسبب في:
1/ مقاومة السلطة الحكومية.
2/ تعدد مراكز النفوذ والسلطة.
3/ إفقاد الدولة القدرة على السيطرة على كامل البلاد.
4/ صعوبة بناء دولة مركزية قوية بسبب الانقسامات القبلية التاريخية.

وفي جنوب السودان الذي انفصل عن جمهورية السودان عام 2011 شب قتال داخلي عام 2013 بدأ سياسيا قبل أن يتحول بسرعة إلى قتال قبلي بين قبيلتي الدينكا والنوير مسببا:
1/ حرب أهلية دامية.
2/ مشاكل اقتصادية.
3/ حالات نزوح كبيرة أفرزت إشكالات إنسانية واقتصادية كبيرة.
لم تكن القبيلة في كثير من الحالات سببا وحيدا للحرب لكنها كانت مسرحا للتعبئة والحشد وبنية لتوزيع الولاءات العمياء.
وفي الغالب يحتمي الأشخاص بكياناتهم المجتمعية وقبائلهم عندما تضعف الدولة، إلا أن ذلك يزيد حجم المخاطر التي تحيط بهم وتهددهم لأن القبيلة لا يمكن أن تحل محل الدولة خاصة في مسائل إدارة التنوع وإحقاق الحقوق عن طريق مؤسسات العدالة.
ختاما
تعمل الدول ذات التكوينات القبلية التاريخية على منع الخطاب الساعي للاستقطاب القبلي، كما أن الحركات السياسية المسؤولة والاحزاب الوطنية تمتنع أخلاقيا وقانونيا عن ممارسة جريمة الاستقطاب القبلي طالما كانت تؤمن بالوحدة الوطنية.
لا يقود الاستقطاب القبلي إلى اشتعال النزاعات الدامية فقط بل يطيل عمرها ويصعب مساعي إيقافها بسبب تأجيج الكراهية ومشاعر الانتقام وإضعاف مؤسسات الدولة وخلق مستفيدين من استمرار القتل.
على المدى الطويل تكون محاربة الاستقطاب القبلي عن طريق بناء الدولة العادلة وإدارة خطاب وطني جامع من خلال مناهج التعليم وأجهزة الإعلام، وترسيخ ثقافة سياسية أساسها التعددية والتعايش لتنشأ أجيال أكثر تمسكا بالأمن من بوابة تجريم الاستقطاب القبلي.