إذاعة البيت السوداني: حين تتكئ العامية على كتف الوطن
إذاعة البيت السوداني بين الإلفة والرسالة
- المستمع يتلقى الكلمة العامية بوصفها جزءًا من حياته، لا خطابًا مفروضًا عليه
بقلم: عمر محي الدين.
في زمن تتزاحمُ فيه المنصاتُ وتتعددُ فيه الأصوات، تبقى الإذاعة – برمزيتها الحميمة – أقرب الوسائط إلى روح الناس، وإذاعة البيت السوداني تمثل نموذجًا دالًا على هذا القرب؛ فهي لا تخاطب الجمهور من علٍ، بل تجلس إليه في “راكوبة” الوجدان بلغته اليومية ونبرته المألوفه
العامية، دفء الصوت وقرب المعنى.
وعاميتنا السودانية ليست مجرد لهجة، بل مخزون وجداني يختزن تفاصيل الحياة اليومية، من السوق إلى الحقل، ومن الحي الشعبي إلى فضاءات الغناء، حين تستخدمها الإذاعة بوعي، فإنها:
تردم الفجوة بين المذيع والمستمع.
تمنح الرسالة صدقًا وعفوية.
تعكس هوية ثقافية متجذرة في الواقع الاجتماعي.
إن المستمع يتلقى الكلمة العامية بوصفها جزءًا من حياته، لا خطابًا مفروضًا عليه، وهذا ما يمنح الإذاعة قدرة استثنائية على بناء علاقة ثقة طويلة الأمد.
إذاعة البيت السوداني بين الإلفة والرسالة
الإلفة وحدها لا تكفي، فالإعلام، خاصة حين يحمل صفة “البيت السوداني”، معنيٌّ بصياغة وعي جمعي، لا بمجرد مرافقة يومية، هنا تبرز أهمية التوازن، فالعامية جسرًا لا غاية، وأداة تواصل لا بديلًا عن العمق.
الرسالة الوطنية في سياق بلد متعدد الأعراق والثقافات كالسودان تحتاج إلى خطاب جامع، يعلو فوق التفاصيل الصغيرة دون أن ينفصل عنها، وإذاعة البيت السوداني تنجح حين تقدم العامية بوصفها تعبيرًا عن المشترك الثقافي، لا لهجة فئة دون أخرى.
تتجلى قوة الإذاعة في قدرتها على تشكيل “الذاكرة السمعية” للأمة، من خلال الأغاني الوطنية، وسرد الحكايات الشعبية، واستحضار رموز التاريخ، وتُعيد صياغة معنى الانتماء يوميًا، وهنا يصبح الصوت وسيلة لتوحيد الإحساس بالمصير، مهما تباعدت الجغرافيا.
الانتماء لا يُبنى بالشعارات، بل بالتراكم الرمزي: كلمة صادقة، أغنية جامعة، حوار يحترم التنوع. وعندما تتبنى الإذاعة هذا الدور، تتحول من وسيلة بث إلى مؤسسة لصناعة الوجدان.
إن التحدي الحقيقي أمام إذاعة البيت السوداني يتمثل في الحفاظ على هذا الخيط الرفيع بين البساطة والرسالة، بين الألفة والمسؤولية، وقد نجحت في ذلك، فإنها ليست مجرد محطة إذاعيه، بل فضاءً جمع السودانيين حول صوتٍ يعرفونه… ويعرفهم.
أتمني عودتها لتواصل المسير، فنحن أحوج لخدمتها الآن أكثر من الماضي..
التحيه لزملائي الاحباب اللذين عضضوها مشروعا وتطبيقا، في مغترباتهم وشتاتهم بالداخل والخارج، وسنعيدها سيرتها الأولي إن مدت لنا الأيام متسعا.
لمستعيها الاوفياء الحب، فقلوبهم تتوق إلى العودة واللقاء.
ودمتم سالمين.