تقارير و مقالات

عيد الفطر المبارك صور تدركها الأبصار والقلوب

عيد الفطر المبارك في زمن المتغيرات

وما أدراك ما عيد الفطر؟
  • هو يوم الجائزة لمن أطالوا الوقوف بين يدي الرحمن

بقلم: د. نجلاء عبد المحمود أحمد الجيلي.

هو ليس ككل الأعياد، ولا يشبه أي فرحة أخرى، عيد الفطر المبارك يأتي محملاً برائحة العبادة ونداوة الدعاء، يُطل علينا بعد رحلةٍ روحانيةٍ استمرت ثلاثين يومًا من الصيام والقيام.

هو تلك البهجة التي تشرق في القلوب قبل أن تشرق في السماء، وتلك القُبلة التي تطبعها السماءُ على جبين الأرض بعد شهر من المغفرة.

وما أدراك ما عيد الفطر؟ إنه تتويج لشهر القرآن، وجائزة الصائمين، وابتسامة الرحمن على وجوه العابدين.

ثلاثة أحرف، لكنها تحمل من القدسية ما يجعل القلوب تخفق، والعيون تدمع فرحًا.

عيد الفطر المبارك.. ذلك اليوم الذي ينتظره المسلمون في كل أرجاء الأرض بشوق لا يوصف، إنه العيد الذي يأتي بعد معركة شاقة مع النفس، بعد ثلاثين يومًا من الجهاد الأكبر، بعد أن تروضت الجوارح على الطاعة، وذاقت الأرواح حلاوة القرب.

لكن هل نستقبله جميعًا بنفس المشاعر؟، هل الفرحة واحدة في كل بيت؟، هل العيد عند الطفل كالعيد عند الكبير؟، وهل من صام القيام كمن صام النهار فقط؟

الحقيقة أن لعيد الفطر مذاقات مختلفة، وألوانًا متعددة، حسب ما حمله كل منا من هذا الشهر الكريم، هو بمثابة بطاقة تقييم يرسلها لنا رمضان، نقرأ فيها كم تغيرنا، وكم اقتربنا، وكم بقينا كما نحن.

عيد الفطر المبارك في عيون الصغار: جائزة الصيام الأول

بالنسبة للطفل، عيد الفطر المبارك ذلك اليوم الذي يبدأ حيث ينتهي الشهر الطويل الذي كان يراه الأهل صعبًا.

يستيقظ فيه ليجد العيد قد ملأ البيت قبل أن تشرق الشمس، رائحة العطر تفوح من ثوبه الجديد الذي ظل يقلبه مرارًا منذ أيام، والعيدية تنتظره في ظرف ملون تحت الوسادة.

عيد الفطر المبارك
فرحة الأطفال تشي بمعنى العيد في نفوسهم

الأطفال يرون عيد الفطر كجائزة كبرى على صيامهم الذي ربما لم يكتمل، أو على تعبهم في انتظار الإفطار مع الكبار.

هو اليوم الذي يتحول فيه المسجد إلى محطة فرح، حيث التكبير يملأ الأرجاء، والمصافحات تتوالى، والناس يخرجون وكأنهم ولدوا من جديد.

يرون العيد كسوق من البهجة، كل شيء فيه معروض للفرح: البالونات في الشوارع، رائحة الكعك تفوح من كل بيت، الحلوى التي لا تنتهي، والأيدي التي تمتد بالعطاء دون حساب، إنهم يرون عيد الفطر بقلوب لم تتعلم بعد لغة الرياء، بعيون لا تعرف إلا الصفاء.

عيد الفطر المبارك في قلوب الشباب: بين وجدانية الروح واجتماعية الجسد

أما الشباب، فلهم في عيد الفطر حالة خاصة، هو اليوم الذي يجمع شمل الأصدقاء بعد طول غياب، والليلة التي تمتد سهرًا في المقاهي والمنتزهات.

يرونه فرصة لالتقاط الأنفاس بعد شهر من الالتزام والانضباط.

لكن في العمق، هناك من الشباب من يحمل في قلبه شيئًا من الحزن الخفي.

حزن على رمضان الذي ودعوه، على تلك السكينة التي كانت تغشى القلوب في السحور، على تلك الخشية التي كانت ترافقهم في التراويح، عيد الفطر عند هؤلاء هو يوم الفرح الممزوج بلوعة الفراق، كمن يودع ضيفًا غاليًا ويحاول أن يخفف ألم الفراق بالاحتفال.

عيد الفطر المبارك في عيون الكبار: معادلة الفرح والمسؤولية

الكبار يرون عيد الفطر المبارك بعينين مختلفتين: عين تبحث عن الراحة بعد شهر من العبادات والتجهيزات، وعين تحسب الحسابات قبل أن تبدأ.

للأمهات، عيد الفطر يعني أيامًا من العمل المتواصل قبل العيد: كعك وبسكويت وغُريبة، تنظيف وترتيب، تخطيط للزيارات وتجهيز للمواعيد، لكنهن مع ذلك، تشرق أساريرهن حين يرين الأبناء مجتمعين، حين تخلو الموائد ولا يبقى إلا الضحكات.

عيد الفطر المبارك
التعافي والتصافي من أجمل لوحات العيد السعيد ومعانيه السامية

للآباء، عيد الفطر يعني العيدية وتأمين احتياجات الجميع، يعني زيارة الأقارب وحفظ صلات الرحم، يعني التوفيق بين راحة النفس ومتطلبات العيد الاجتماعي، لكنهم مع ذلك، يجدون في نظرات الرضا على وجوه أحبائهم أعظم جائزة.

وهناك من الكبار من يرون عيد الفطر بعيون دامعة، أولئك الذين فقدوا أحبابهم خلال العام أو قبيل رمضان، بالنسبة لهم، عيد الفطر هو أول عيد بلا أم توزع الكعك، بلا أب ينتظرهم على باب البيت، بلا أخ يشاركهم الضحكات.

يرونه كمرآة تعكس لهم مقاعد الأمس الخالية اليوم.

زكاة الفطر: حين يكون العيد عطاء

لا يكتمل حديث عن عيد الفطر دون الوقوف عند زكاة الفطر، ذلك الركن العظيم الذي شرعه الله لتكون العيد فرحة للجميع، لا تخلو منها مائدة، ولا يحرم منها فقير.

هي طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، تغني من يسأل في هذا اليوم المبارك.

زكاة الفطر تعلمنا أن العيد الحقيقي لا يكتمل إلا حين نضمن أن من حولنا يفرحون مثله، هي دعوة عملية لأن ننظر حولنا، أن نبحث عن المحتاج قبل أن ننشغل بفرحتنا الخاصة، أن نصنع العيد للجميع، لا لأنفسنا فقط.

صلاة العيد: عندما تلتقي الأرض بالسماء

صباح العيد، تتزين الأرض بأجمل حُللها، الناس يتوافدون إلى المصليات والمساجد، وكأنهم موكب نور يمشي على الأرض.

التكبيرات تملأ الأجواء: “الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد”.

في صلاة العيد، يلتقي الغني والفقير، الكبير والصغير، الحزين والفرحان، كلهم صف واحد أمام الله.

عيد الفطر المبارك
يأخذ العيد قدسيته من ارتباطه بعبادة عظيمة

هي درس عملي في المساواة، وتذكرة بأننا جميعًا عبيد لله، نلتقي في الطاعة قبل أن نلتقي في الفرح.

وبعد الصلاة، تبدأ رحلة التهاني والمصافحات، يد تمتد بالخير، وقلب يفيض بالمحبة، ودعوات صادقة: “تقبل الله منا ومنك”، “كل عام وأنتم بخير”، “عيدكم مبارك”.

أن نرى عيد الفطر بعيون جديدة: عودة إلى الروح

كيف يمكننا أن نرى عيد الفطر هذا العام بعيون مختلفة، بعيون جديدة تعيد للعيد روحه المفقودة وسط زحام المظاهر؟

أن نرى عيد الفطر بعيون جديدة يعني أن نبدأه بالاستغفار والدعاء قبل أن نبدأه بالتهاني، أن نتذكر أن الفرحة الحقيقية هي في قبول الأعمال، لا في استعراض الملابس والحلويات.

يعني أن نخصص وقتًا حقيقيًا للعائلة، ليس مجرد زيارة سريعة، بل جلسات ممتدة، أحاديث عميقة، ذكريات نتشاركها، وضحكات تبقى في الذاكرة.

يعني أن نبحث عن أفراح الآخرين، أن نصنع العيد لمن لا عيد له، أن نزور يتيمًا، أن نمسح على رأس أرملة، أن نطعم جائعًا، أن ندخل السرور على قلب مسلم.

يعني أن نستمر في روحانيات رمضان بعد العيد، أن نحافظ على شيء من الصلاة والذكر والقراءة، أن لا نجعل العيد نهاية للقرب، بل بداية لعهد جديد مع الله.

عيد الفطر المبارك في زمن المتغيرات

في عالمنا اليوم، حيث التكنولوجيا تلف العالم بأسره، وحيث التواصل الافتراضي أصبح جزءًا من حياتنا، يظل لعيد الفطر طعم خاص.

التهاني تعبر القارات في لحظات، صور العيد تجمع الأحبة من كل مكان، ومقاطع الفيديو تنقل إلينا فرحة من نحب وهم بعيدون.

لكن يبقى السؤال: كيف نحمي العيد من أن يتحول إلى مجرد “بوستات” تهنئة، و”ستوريات” عابرة، ورسائل جماعية باردة؟.

ربما تكون الإجابة في أن نجعل من التكنولوجيا وسيلة وليست غاية، أن نخصص مكالمة فيديو طويلة مع من لا نستطيع لقاءهم، لا مجرد رسالة سريعة.

أن نرسل هدية حقيقية بالبريد، لا مجرد “إيموجي” هدية، أن نعيش اللحظة مع من حولنا، ونوثقها لمن هم بعيدون، لا أن نعيش في الهاتف وننسى من حولنا.

الخاتمة:

عيد الفطر المبارك.. وما أدراك ما عيد الفطر؟ هو يوم الجائزة لمن أطالوا الوقوف بين يدي الرحمن، هو يوم العتق لمن أعتقت رقابهم من النيران، هو يوم الفرح لمن فرحوا بطاعة الله.

هو رائحة أمي وهي تخرج الكعك من الفرن، هو يد أبي الممدودة بالمصافحة بعد الصلاة، هو ضحكات الأطفال وهم يعدون العيدية، هو صوت التكبير يجلجل في الآفاق.

هو عيد الطهارة بعد شهر الغفران، عيد النقاء بعد ثلاثين يومًا من الصفاء، عيد العودة إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

فلنجعل من هذا العيد بداية جديدة، لنودع رمضان كما يليق، وليكن فراقنا له فراق المحب الذي يرجو اللقاء.

ولنستقبل العيد بقلوب خاشعة، وألسن ذاكرة، وأفعال صالحة.

عيدكم مبارك، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، كل عام وأنتم إلى الله أقرب، وبطاعته أرحم، وعلى دروب الخير أثبت، عيد فطر سعيد، وكل لحظة في عمركم عيد.

وما أدراك ما عيد الفطر؟ إنه ابتسامة السماء بعد بكاء السحاب، إنه حضن الرحمن بعد طول اغتراب، إنه أن تعود طفلاً إلى الخالق.

بواسطة
د. نجلاء عبد المحمود أحمد الجيلي
المصدر
خاص: شبكة أسبالتا الإخبارية

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى