تقارير و مقالات

حماية المدنيين بين النصوص والواقع: من يحمي الأبرياء في الحروب؟

تعقيدات حماية المدنيين في الحروب الحديثة

نرى أحيانا مدنيين تتم مهاجمتهم، وتدمير البنى التحتية المرتبطة بهم كالمستشفيات والمدارس
  • في مناطق الحرب تتضرر أنظمة التعليم والصحة والغذاء والمياه الصحية

كتب: نزار عبد الله بشير

ما إن تشتعل الحرب حتى تبرز القضايا الإنسانية الكبيرة إلى مقدمات نشرات الأخبار، وعلى رأسها قضية حماية المدنيين بوصفهم أكثر الفئات تضررا من مثل هذه الكوارث.

وعلى الرغم من وجود اتفاقيات دولية وقوانين هدفها توفير الحماية للمدنيين مثل اتفاقيات جنيف، إلا أن الحروب المشتعلة تؤكد حجم الهوة بين القوانين وتطبيقها على أرض الواقع، مما يثير التساؤلات حول العجز عن حماية المدنيين بشكل كامل وفق ما جاء في الاتفاقيات، و لماذا لا يتحقق هذا الهدف؟.

مفهوم حماية المدنيين في القانون الدولي

حماية المدنيين تفسر عددا من الإجراءات والقواعد الرامية إلى ضمان سلامة الأشخاص من غير الأطراف المشاركة في النزاعات المسلحة، ككبار السن والأطفال والنساء.

أسست القوانين الدولية لهذا المبدأ كأساس في القانون الدولي الإنساني، بجانب تشديد اتفاقيات جنيف على ضرورة التفريق بين المدنيين والمحاربين.

تلزم اتفاقيات جنيف كافة أطراف الحرب باتخاذ كل ما يلزم لعدم تعريض المدنيين للعنف من كافة ما يحيق بهم من مخاطر أثناء الحرب، غير أن هذا الالتزام المكتوب كثيرا ما لا يتم الالتزام به عند وقوع الحرب.

حماية المدنيين
يواجه المدنيين مخاطر مضافة إلى التعرض للإصابة جراء القتال

ضعف آليات تنفيذ حماية المدنيين

يرجع المراقبون فشل حماية المدنيين إلى عدة أسباب أبرزها غياب جسم دولي بإمكانه فرض الالتزام بالقوانين، حيث يتكئ المجتمع الدولي على التوافق السياسي بين الدول، وهو ما لا يتحقق دائما وقت حدوث الحرب.

نعلم المؤسسات الدولية بما فيها المحكمة الجنائية الدولية لا تتمتع بسلطة مطلقة قائمة بذاتها، وإنما تكتسب قوتها من التعاون الدولي.

يعني ذلك أن حماية غير المحاربين قد لا تتم إذا ما رفضت الدول التعاون.

حماية المدنيين والمصالح الدولية والسياسية

في حالات الحرب المنظورة تطغى المصالح السياسية والعسكرية الميدانية على أسس والتزامات حماية المدنيين، وكثيرا ما نرى بعض الدول قد قدمت مصالحها الاستراتيجية على التزامها بالقانون الدولي.

هذا هو سبب رؤيتنا للمدنيين وهم يقعون ضحايا في النزاعات باسم “الخسائر الثانوية”، أو “الأضرار الجانبية”، وبالطبع يتصادم ذلك مع أساس مبدأ توفير الحماية للمدنيين، ومع تكرار سقوط المدنيين يصبح الأمر طبيعيا ومعتادا.

تعقيدات حماية المدنيين في الحروب الحديثة

تبعا لمحدثات الأمور في الحروب الحديثة التي تختلف عن الحروب التقليدية فإن توفير الحماية للمدنيين يصبح من الأمور المعقدة.

في الحروب الأهلية والحرب التي يتفوق فيها طرف على الآخر تكون الجبهات الحربية متداخلة مع المناطق السكنية للمدنيين.

كثيرا ما تستخدم المجموعات المسلحة والقوات غير النظامية المدن والقرى التي تضم المدنيين كملاذ للاختباء، ويجعل ذلك أمر حماية المدنيين وتحقيق الأهداف العسكرية هدفين لا يمكن تحقيقهما معا.

تداخل الجبهات يرفع من احتمال موت المدنيين أو إصابتهم، حتى وإن كان الطرفان يعملان على تجنب إلحاق الضرر بالمدنيين.

حماية المدنيين بين النصوص والواقع: من يحمي الأبرياء في الحروب؟
المنظمات تعمل على امتصاص الأزمة الإنسانية الناتجة عن الحرب

الانتهاكات المتعمدة بحق المدنيين

نشهد في أوقات كثيرة سقوط مدنيين بسبب هجمات لا يمكن عدها ضمن الأخطاء أو الخسائر الجانبية.

نرى أحيانا مدنيين تتم مهاجمتهم، وتدمير البنى التحتية المرتبطة بهم كالمستشفيات والمدارس، وهي ممارسات تعتبر من جرائم الحرب وفق القانون الدولي.

يستمر الاعتداء على المدنيين في عالم اليوم بسبب ضعف الردع، وهو ما يجعلنا نتأكد من أن حماية المدنيين لا تتوقف فقط على وجود القوانين، وإنما على القدرة على تطبيقها.

ضعف الردع وأثره على حماية المدنيين

لأجل تعزيز توفير الحماية للمدنيين لا بد من وجود المحاسبة، إلا أن الإفلات من العقاب يشجع على تكرار الجرائم، بل هو أحد أسباب تكرار مثل هذا النوع من الجرائم.

وعلى الرغم من وجود آليات دولية للمحاسبة على جرائم الحرب إلا أنها قليلة الفعالية بسبب تداخل العدالة بالسياسة، حيث ترفض بعض الدول الاعتراف بولاية المحاكم الدولية، ويقود ذلك بدوره إلى تقليل فرص تحقيق العدالة وتوفير الحماية للمدنيين.

البنى التحتية وحماية المدنيين

يعاني المدنيون من القصف والقتل، ولكن ذلك ليس كل شيء بل يعانون انهيار الخدمات الأساسية.

في مناطق الحرب تتضرر أنظمة التعليم والصحة والغذاء والمياه الصحية، وهو ما يسبب أزمات إنسانية حادة تسعى المنظمات الدولية لمعالجتها.

في مثل هذه الظروف تكون حماية المدنيين نضالا من أجل البقاء على قيد الحياة، وليست مجرد حماية من العنف.

قد يفارق المدنيون الحياة نتيجة تفاقم الجوع والمرض أكثر من من موتهم بسبب تراشق المتحاربين.

حماية المدنيين
الأطفال والنساء وكبار السن هم الأكثر تأثرا بالحرب

دور المجتمع الدولي في تعزيز حماية المدنيين

بإمكان المجتمع الدولي أن يقدم الكثير في جانب تعزيز حماية المدنيين عن طريق الضغوط السياسية، والعقوبات الدولية، والمساعدات الإنسانية، وتوثيق الجرائم والانتهاكات، مما يسهم في رفع الوعي بضرورة الالتزام بتوفير الحماية للمدنيين، المحزن أن هذه الجهود تكون محدودة.

كيف يمكن تعزيز حماية المدنيين؟

للوصول إلى المراد في مجال توفير الحماية للمدنيين لا بد من اتخاذ خطوات تشمل:

1/ دعم آليات المحاسبة الدولية.

2/ تعزيز دور المؤسسات القانونية.

3/ فرض العقوبات على من لا يلتزمون بالقانون الدولي.

4/ دعم الجهود الإنسانية في مناطق الحرب.

5/ نشر الوعي بضرورة الالتزام بالقانون الدولي واحترامه، على نحو يجعل حماية المدنيين جزءا من العقيدة العسكرية والسياسة للدول.

ختاما:

حماية المدنيين هدف نبيل يصطدم بواقع معقد تحكمه المصالح السياسية والعسكرية.

النصوص القانونية وحدها لا تكفي، وإنما نحتاج الإرادة الحقيقية لتطبيق القوانين.

بواسطة
نزار عبد الله بشير
المصدر
خاص: شبكة أسبالتا الإخبارية

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى