تقارير و مقالات

التسول العاطفي: حين نطلب الحب بطريقة تؤلمنا

الآثار النفسية للتسول العاطفي

الاعتراف بوجود السلوك دون جلد للذات خطوة أساسية
  • من المهم التمييز بين الاحتياج العاطفي الصحي والتسول العاطفي

بقلم: د. أبي عادل القاسم.


في العلاقات الإنسانية، يُفترض أن يكون التعبير عن الاحتياج العاطفي فعلاً صحياً وطبيعياً، لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لا يكتمل توازنه النفسي دون تواصل ودعم وشعور بالقبول.

غير أن هذا الاحتياج قد يتحوّل أحياناً من طلبٍ مشروع إلى ما يُعرف نفسياً بـ التسول العاطفي، وهي حالة يطلب فيها الفرد الحب أو الاهتمام أو القبول بطريقة تُفقده كرامته النفسية، وتُضعف صورته الذاتية، وتجعله عالقًا في علاقات غير متوازنة.

مفهوم التسول العاطفي


التسول العاطفي لا يعني مجرد الحاجة إلى الحب، بل يشير إلى الطريقة التي يُعبّر بها الشخص عن هذه الحاجة. هو نمط سلوكي يقوم على الإلحاح، التنازل المفرط، أو التضحية بالحدود الشخصية مقابل الحصول على انتباه أو عاطفة من الطرف الآخر.


في هذه الحالة، يصبح الحب شيئاً يُطلب بشدة، لا يُمنح بحرية، ويُقاس بكمية الألم التي يتحملها الشخص للبقاء في العلاقة.


الشخص الذي يمارس التسول العاطفي غالباً ما يقول – دون وعي –: “ابقَ معي بأي ثمن”، حتى لو كان هذا الثمن هو إهمال الذات، أو القبول بالإساءة، أو العيش في حالة دائمة من القلق والترقب.

التسول العاطفي
كثيرة هي المشكلات المرتبطة بسنوات النشأة الأولى

الجذور النفسية للتسول العاطفي


يرتبط التسول العاطفي بعدة عوامل نفسية متداخلة، أبرزها تدنّي تقدير الذات. فالشخص الذي لا يرى نفسه مستحقاً للحب، يسعى للحصول عليه عبر الإرضاء الزائد أو التعلّق المرضي.

كما أن أنماط التعلق غير الآمن التي تتشكل في الطفولة تلعب دوراً كبيراً، خاصة إذا نشأ الفرد في بيئة عاطفية غير مستقرة، حيث كان الحب مشروطاً أو متذبذباً.


كذلك، قد يكون الخوف من الهجر أو الوحدة دافعاً قوياً لهذا السلوك.
فبدل أن يواجه الشخص فكرة الفقد، يفضل البقاء في علاقة تُرهقه نفسياً على أن يكون وحده.
وهنا يصبح التسول العاطفي آلية دفاعية، لكنها آلية مكلفة نفسياً.

مظاهر التسول العاطفي في العلاقات


يظهر التسول العاطفي في صور متعددة، منها الإفراط في الاعتذار دون خطأ حقيقي، أو المبالغة في تقديم التضحيات دون مقابل، أو مراقبة ردود فعل الطرف الآخر باستمرار بحثاً عن أي إشارة اهتمام.


وقد يتجسد أيضاً في الخوف من التعبير عن الرأي، أو كبت المشاعر السلبية خشية فقدان العلاقة.


في العلاقات العاطفية، يتجلى هذا النمط في التشبث بشريك غير متاح عاطفياً، أو تبرير الإهمال المتكرر، أو قبول علاقة غير واضحة المعالم. أما في العلاقات الاجتماعية أو المهنية، فقد يظهر في السعي المستمر لنيل الرضا، حتى على حساب القيم الشخصية.

المبالغة في الاعتذار حتى لو لم يكن الشخص على خطأ من الأعراض التي يجب الوقوف عندها

الآثار النفسية للتسول العاطفي


على المدى الطويل، يترك التسول العاطفي آثاراً عميقة على الصحة النفسية. إذ يؤدي إلى استنزاف عاطفي مزمن، وشعور دائم بعدم الكفاية، وانخفاض الثقة بالنفس. كما يعزز الاعتماد العاطفي، ويُضعف القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة.


الأخطر من ذلك أن هذا السلوك قد يُرسّخ علاقات غير صحية، قائمة على عدم التكافؤ، حيث يتعوّد الطرف الآخر على الأخذ دون عطاء، بينما يزداد الشخص المتسوّل عاطفياً تعلقاً وألماً. ومع الوقت، قد يتطوّر الأمر إلى أعراض اكتئابية أو قلقية، نتيجة الإحباط المتكرر والشعور بعدم التقدير.

الفرق بين الاحتياج الصحي والتسول العاطفي


من المهم التمييز بين الاحتياج العاطفي الصحي والتسول العاطفي. الاحتياج الصحي يُعبّر عنه بوضوح واحترام للذات، مع استعداد لتقبل الرفض دون انهيار.


أما التسول العاطفي فيقوم على الخوف، والتنازل القسري، وربط القيمة الذاتية برد فعل الآخر.
الإنسان السليم نفسياً يقول: “أنا أحتاجك، لكني أستطيع الاستمرار حتى إن لم تبقَ”، بينما يقول المتسوّل عاطفياً: “لا أستطيع أن أكون دونك”. الفرق هنا ليس في شدة الحب، بل في قوة العلاقة مع الذات.

كيف نتحرر من التسول العاطفي؟


التحرر من هذا النمط يبدأ أولاً بـ الوعي. الاعتراف بوجود السلوك دون جلد للذات خطوة أساسية.
يلي ذلك العمل على إعادة بناء تقدير الذات، من خلال فهم مصادر القيمة الشخصية بعيداً عن قبول الآخرين.

التسول العاطفي
الحياة طبيعتها الاحترام والتقدير المتبادل


تعلم وضع الحدود النفسية يُعد عنصراً محورياً في هذه الرحلة. فالعلاقة الصحية لا تتطلب إلغاء الذات، بل حضورها. كما أن تطوير القدرة على تحمل الوحدة المؤقتة، بدل الهروب منها، يساعد الفرد على اختيار العلاقات بدافع الرغبة لا الخوف.


في بعض الحالات، يكون الدعم النفسي المتخصص ضرورياً، خاصة إذا كان التسوّل العاطفي مرتبطاً بصدمات سابقة أو أنماط تعلق عميقة الجذور.

ختاماً
التسول العاطفي ليس ضعفاً أخلاقياً، بل إشارة نفسية إلى جرح لم يُلتفت إليه بعد.

هو محاولة غير متوازنة لإشباع حاجة إنسانية مشروعة، لكنها تُدار بطريقة مؤلمة.

ومع الوعي والعمل الداخلي، يمكن تحويل هذا النمط من علاقة قائمة على الاستجداء إلى علاقة قائمة على الاختيار، ومن بحث عن الحب في الخارج إلى استعادته أولًا في الداخل.
فالإنسان لا يحتاج أن يتسوّل ليُحَب، بل أن يتصالح مع ذاته ليختار الحب الذي يستحقه.

بقلم 🖋
أبي عادل القاسم الجاك
اختصاصي ومعالج نفسي
رقم العيادة الاونلاين واتساب
00249116071234

بواسطة
د. أبي عادل القاسم د. أبي عادل القاسم
المصدر
خاص بشبكة أسبالتا الإخبارية

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى