تقارير و مقالات

الدوافع للانحراف الجنسي: منظور نفسي في ضوء فضيحة جيفري إبستين

النماذج السلوكية في العلاقات المفسدة

كيف نجعل المجتمع أقل عرضة لهذه السلوكيات؟
  • في قضية جزيرة جيفري إبستين، لم تكن المشكلة في الرغبة الجنسية وحدها

كتب: د. أبي عادل القاسم.

في السنوات الأخيرة، احتلت قضية جيفري إبستين وجزيرته الخاصة عناوين الصحف العالمية، ليس فقط بسبب الأحداث المثيرة التي جرت هناك، ولكن لما سلطته من ضوء على شبكات الإساءة والاستغلال الجنسي، وعلى الأسئلة العميقة حول الدوافع النفسية والسلوكية وراء ما يُسمّى الانحراف الجنسي أو السلوكيات الجنسية المخالفة للأعراف والقانون.

تُعد قضية جيفري إبستين مرآة اجتماعية ونفسية يمكن من خلالها فهم كيف تتداخل العوامل النفسية مع العوامل البيئية والثقافية لتهدد سلامة الفرد والمجتمع. وفي هذا المقال، نستعرض أبرز الدوافع النفسية التي يمكن أن تساهم في مثل هذه السلوكيات، مع تحليل دقيق بعيداً عن الإثارة أو التفاصيل الجنسية غير المناسبة.

جيفري إبستين
الرئيس الأمريكي الذي ظهر ضمن الوثائق دعا إلى تجاوز الأمر والحديث في ما ينفع الناس

على ضوء قضية جيفري إبستين: فهم المصطلحات من منظور نفسي


في علم النفس، لا يُستخدم مصطلح (انحراف جنسي) بشكل مطلق أو وصفي، لأنه يحمل أحكاماً قيمة قد لا تكون دقيقة علمياً العلماء يستخدمون بدلاً منه مصطلحات مثل:

  • السلوك الجنسي المعارض للقانون أو المعايير الأخلاقية
  • سلوكيات إساءة أو استغلال
  • الانحراف الجنسي المرضي/الملحوظ في الحالات التشخيصية (اختلالات في الرغبة أو السيطرة على السلوك)
    هنا نسلط الضوء على النواقل النفسية والسلوكية التي تُسهم في المنتج النهائي لهذه السلوكيات.

النماذج النفسية للدوافع

  1. الصدمات النفسية المبكرة والارتباط اللاحق بالتحفيز الجنسي
    بحسب الأبحاث النفسية، يتعرض بعض الأفراد في طفولتهم أو مراهقتهم لصدمات جنسية أو مشاهدات تربك تطويرهم الجنسي الطبيعي، مما قد يؤثر على قدراتهم التالية لتنظيم الدوافع والحدود. هذه الصدمات لا تبرر السلوكيات المسيئة، لكنها تُظهر كيف يمكن للتجارب المبكرة أن تشوه آليات التحكم الذاتي والتعاطف.
  2. التنظيم العاطفي الضعيف
    تنظيم العاطفة هو القدرة على إدارة المشاعر والانفعالات. بعض الأفراد الذين يفتقدون هذه القدرة قد يلجؤون إلى السلوكيات الجنسانية المفرطة أو المخالفة كطريقة لتخفيف التوتر أو الشعور بالقوة أو السيطرة. في سياق إبستين، يظهر أن بعض المحيطين به كان هدفهم البحث عن شعور بالتحكم والانتصار على الآخرين، بدلاً من العلاقة الإنسانية الصحية.
  3. النرجسية المفرطة والشعور بالتفوق
    تعرف الدراسات أن الشخصيات النرجسية الشديدة، التي تفتقد للتعاطف وتقدّر نفسها على حساب الآخرين، أكثر عرضة للاستغلال والتلاعب. النرجسية هنا لا تعني الثقة بالنفس، بل انشغال مفرط بالذات وقيمة الذات على حساب الآخرين. هذا يمكن أن يدفع بعض الأفراد لرؤية الآخرين كأدوات بدلاً من بشر لهم حقوق وكرامة.

العوامل البيولوجية والعصبية


بينما لا توجد (جينة) تحدد السلوك التخريبي، هناك فهم علمي لأن المكافأة والتحفيز في الدماغ مرتبطان بالدوبامين والنواقل العصبية الأخرى. الأفراد الذين يبحثون بشكل مفرط عن التحفيز الجنسي قد يكون لديهم حساسية أكبر لمراكز المكافأة في الدماغ، أو ضعف في دوائر تثبيط الانفعالات.
لكن من المهم التأكيد: هذا لا يعني أن البيولوجيا تُبرر السلوكيات المسيئة. بل تُظهر أن بعض الأشخاص قد يواجهون صعوبة أكبر في ضبط الدوافع إذا لم يتلقوا دعماً نفسياً واجتماعياً مناسباً.

البيئة الاجتماعية والثقافية

  1. التفلت من العقاب
    القضايا التي تنتشر مثل قضية جيفري إبستين تُظهر أن غياب الرقابة والمسؤولية القانونية يمكن أن يُشجّع السلوكيات المنافية للأخلاق. عندما يشعر الأفراد أن بيئتهم تغض النظر ، فإن ذلك يُقوّي لديهم الإحساس بالإفلات من العقاب، ويقلل من قوة الضوابط الداخلية.
  2. المواقف المجتمعية تجاه الجنس
    المجتمعات التي تتحدث بازدراء أو خجل عن الجنس أو تضعه في إطار تابوهات صارمة أحياناً تخلق فضاءات سرية لا تُشجّع على التفاهم الصحي والدراية الجنسية المتزنة. هذا يمكن أن يجعل بعض الأفراد يطورون توقعات وتشوهات معرفية وسلوكية حول العلاقات الجنسية.
جيفري إبستين
الوثائق بينت قوة العدالة الأمريكية لكنها وضعت المجتمع أمام تحد أخلاقي تاريخي

النماذج السلوكية في العلاقات المفسدة


في قضية جزيرة جيفري إبستين، لم تكن المشكلة في الرغبة الجنسية وحدها، بل في السلطة والإكراه والتحكم والاستغلال المالي والنفسي. يتمثل الدافع الرئيسي في:

  • الرغبة في السيطرة على الآخر
  • الاستخدام الممنهج للاستغلال مقابل الموارد أو المكانة
  • التقليل من قدر الإنسان الآخر إلى كائن يُستخدم لتحقيق رغبات
    هذه المركبات النفسية لا تتعلق فقط بالجنس كما يعتقد البعض تجاه قضية جيفري إبستين، بل بالنزعة نحو الأذى والتحكم بالآخرين، وهي سمة نفسية أكثر عمقاً من مجرد الانحراف الجنسي، وهو ما يسلط المزيد من الاهتمام على قضية جيفري إبستين كنموذج واقعي.

نماذج العلاج والتدخل


من منظور علاج نفسي وتربوي، يُركز المعالجون في مثل نموذج فضيحة جيفري إبستين أو الحالات المشابهة لها على:

  1. إعادة هيكلة الإدراك الجنسي
    تعليم الأفراد أن الجنس يقيم في السياق الصحي والمُتفق عليه، وأن الاحترام والتوافق والكرامة أساس العلاقات.
  2. تطوير التعاطف وتنظيم العاطفة
    العلاج السلوكي المعرفي وغيره يساعد على:
  • فهم مشاعر الآخرين
  • ضبط الدوافع غير الصحية
  • استبدال الأنماط السلبية بأخرى بناءة
  1. دعم الضحايا
    الاهتمام بالناجين من التجارب الإسائية مهم في تقليل التبعات النفسية طويلة المدى، مثل القلق والاكتئاب واضطرابات الثقة.
جيفري إبستين
نالت الوثائق المنشورة اهتماما كبيرة لارتباطات القضية بركائز أخلاقية ونفسية وقانونية لطالما تفاخر بها الغرب

كيف نجعل المجتمع أقل عرضة لهذه السلوكيات؟


التربية الجنسية الصحية
يعتبر التحدث بصراحة علمية عن العلاقات الجنسية، الحدود، الموافقة، والاحترام خط الدفاع الأول.


تعليم قيم التعاطف
زرع احترام الذات واحترام الآخرين منذ الصغر.
تعزيز ذكاء الانفعال
تعليم الشباب كيفية التعرف على مشاعرهم وتنظيمها، وكيفية وضع حدود سليمة في العلاقات.


المساءلة القانونية
وضع قوانين صارمة تُحارب الاستغلال والاعتداء، مع تطبيقها بشكل عادل.

الخاتمة
إن الحديث عن دوافع السلوكيات الجنسية الخاطئة أو المسيئة لا يمكن اختزاله في كلمة “انحراف”. هو نتاج تركيبة معقدة من العوامل النفسية، البيولوجية، الاجتماعية، الثقافية، والقانونية. فضيحة “جزيرة جيفري إبستين” لم يبرز فقط أحداثاً مثيرة، بل كشف شبكات من السلوكيات المسيئة التي تنبع من ضعف التعاطف، حب السيطرة، الإحساس بالإفلات من العقاب، والارتباط بتجارب نفسية مؤلمة.


من منظور نفسي، الحل لا يكون باللوم فقط، بل بالفهم والتدخل المبكر والتربية الصحية والرقابة الفعالة، حتى نُسهم في بناء علاقة صحية بالجنس والعلاقات الإنسانية عموماً، تحترم الكرامة الإنسانية وتُحافظ على سلامة الفرد والمجتمع.

بقلم 🖋
أبي عادل القاسم الجاك
اختصاصي ومعالج نفسي
رقم العيادة الاونلاين واتساب
00249116071234

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى