كيف توثق المنظمات الحقوقية جرائم الحرب؟
- تستخدم عدة أساليب للتحقيق في جرائم الحرب من ضمنها الأقمار الصناعية
تقوم المنظمات الحقوقية الدولية بمهام عديدة، إلا أن أكثرها تعقيدا عملية توثيق جرائم الحرب، لسبب حساسية المعلومات، وخطورة المواقف والسياقات التي تحدث فيها هذه الجرائم.
ولخطورة مثل هذه الجريمة على المجتمع الإنساني تعتمد المنظمات على معايير دقيقة وأساليب متنوعة لجمع الأدلة التي يمكن أن تشكل قضية مقنعة ومتماسكة أمام المحاكم الدولية والمحاكم الجنائية.
يعتبر توثيق جرائم الحرب أحد الأمور الأساسية الضامنة لعدم إفلات المجرمين من العقاب، سواء كانوا أشخاصا أو هيئات سياسية أو محاربين.
جمع الشهادات الميدانية في توثيق جرائم الحرب
توثيق جرائم الحرب عادة ما يبدأ بإرسال فرق حقوق الإنسان إلى المناطق المنكوبة، في حالة كون ذلك ممكنا، لتقوم الفرق بتوثيق الشهادات التي تصف الوقائع بشكل دقيق لا لبس فيه.
ويحرص الفريق على أن يوثق شهادات بالفيديو مع إبقاء هوية الشهود سرا ، وتبين تلك الشهادات نوع الهجوم وهوية مرتكبي الجنايات، وسياق الحدث العام.
ورغم أهميتها الكبرى في إعادة بناء الأحداث لا تعتمد المنظمات الحقوقية على الشهادات فقط، إنما تعتمد على وسائل أخرى لتوثيق جرائم الحرب، بما يضمن عدم إفلات الجناة مهما حرصوا على إخفاء الجريمة أو تهربوا من المسؤولية.
الأدلة البصرية وتحليل المواد
يقوم الباحثون الحقوقيون بدراسة وتحليل الصور ومقاطع الفيديو التي يتم نشرها في أي قناة أو وسيلة تواصل اجتماعي، أو تقدم إليهم بشكل مباشر.
وللوصول إلى الغاية المطلوبة يتم استخدام تقنيات مثل Geolocation، ويقومون بتحليل الظلال ومقارنة المعالم الجغرافية، وتحديد الوقت عبر تحليل بيانات الأجهزة.
تمثل هذه الأدوات أهمية كبيرة لدى الباحثين الحقوقيين في عملية توثيق جرائم الحرب، فالصور تكشف الكثير مثل أنواع الأسلحة المستخدمة، وهوية المهاجمين، وحجم ما أحدثوه من تدمير.
لا ننسى أن غير هذه الأدوات يستخدم أيضا في منظمات مهمة مثل Forensic و Bellingcat و Architecture، وهي منظمات تستخدم أدوات متقدمة.
توثيق جرائم الحرب بواسطة الأقمار الصناعية
تقدم صور الأقمار الصناعية أدلة حاسمة في عملية توثيق جرائم الحرب، ويمكن مقارنة بياناتها مع البيانات والأدلة الأخرى، كما أنها لا يمكن التشكيك فيها لأنها تقدم أدلة من تتبع حركة القوات، وآثار الهجمات أيا كان نوعها، ومواقع دفن الضحايا، ومراقبة القرى وأحياء المدنيين السكنية.
أدلة الطب الشرعي في جرائم الحرب
الأمر الذي لا لبس فيه أن الإصابات الطبيعية اليومية تختلف عن الإصابات و القتل الناتج عن الانتهاكات، ولهذا فإن المنظمات تعتمد في توثيق جرائم الحرب على تقارير الطب الشرعي، التي توضح الكثير بشأن الضحايا والانتهاكات التي حدثت بحقهم، مثل سبب الوفاة، ونوع الإصابة، والسلاح المستخدم في الجريمة.
تشمل التحقيقات أيضا عملية تحليل الشظايا والمقذوفات لتحديد نوع السلاح الذي أطلقه ومصدره.
تحقيق Digital Forensics
بات التحليل الرقمي جزءا مهما من توثيق جرائم الحرب، حيث يتم تحليل الرسائل والمحادثات على وسائل التواصل، وأرشفة الأدلة الرقمية بشكل يمنع التلاعب فيها.
ومن ضمن التحليل الرقمي استخدام أدوات كشف تزوير الصور ومقاطع الفيديو، وربط الحسابات المشتبه بها بالقادة الذين يشتبه صلتهم بالجرائم.
التقارير القانونية الخاصة بجرائم الحرب
ما إن يكتمل جمع الأدلة، تقدم المنظمات الحقوقية تقارير شاملة تضمنها المنهجية المستخدمة في الجريمة، والأدلة البصرية والميدانية، والشهادات والتحليل القانوني.
يتم تقديم التقرير للجان الأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية، ليكون جزءا من عملية توثيق جرائم الحرب وتحديد المسؤوليات عنها.

سوابق في تحقيق العدالة الدولية بشأن جرائم الحرب
عقب جرائم الإبادة الجماعية في رواندا في 1994 اعتمدت المحكمة الجنائية الدولية على تقارير مقدمة من منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”أمنستي” اعتمدت على جمع الأدلة وتوثيق مدافن الضحايا.
كما قامت المنظمات الحقوقية بتوثيق جرائم الحرب والتطهير العرقي في سربرينتسا في البوسنة، وذلك ما قاد قادة كبار منهم زعيم صربيا “سلوبودان ميلوسوفيتش” إلى الوقوف أمام العدالة قبل أن يتوفى في زنزانته في 11 مارس 2006، وهي ذات الوقائع التي أدين فيها زعيم صرب البوسنة “رادوفان كاراديتش“- كان طبيب نفسيا وشاعرا-.

ويشار إلى سوريا كثيرا باعتبارها أكثر الدول التي استخدم فيها توثيق جرائم الحرب وبشكل رقمي، مثل التقارير عن سجن صيدنايا والتي قدمتها منظمة العفو الدولية، وصور قيصر التي فضحت تعذيب آلاف المحتجزين.
يضاف ذلك توثيق مذبحة “بوتشا” بأوكرانيا والتي تمت باستخدام الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة، وتوثيق مذبحة الروهينجا في 2017 بواسطة الأقمار الصناعية ووسائل أخرى.
كما وثقت المنظمات الحقوقية أحداثا جسيمة في ليبيا ما بين عامي 2011 و2020 حيث حققت في مقاطع مصورة، ومقابر جماعية في ترهونة، وهجمات ضد المدنيين في طرابلس.
ويعتبر توثيق جرائم الحرب في ليبيا من السوابق المهمة حيث تم استخدام التحقيق الرقمي عبر المصادر المفتوحة (OSINT).