حقوق المدنيين في حالات الحصار في القانون الدولي الإنساني
واجبات القائم بالحصار تجاه المدنيين
- في حالات كثيرة يجد المدنيون أنفسهم في خضم المعارك والقصف
يعتبر الحصار من أقدم طرق الحرب التي عرفها الإنسان على مدى تاريخ النزاعات الطويل، و هو العملية المتمثلة في تطويق منطقة محددة أو قلعة أو مدينة و الإحاطة بها، و حجز الإمدادات عنها.
و من أشهر أمثلة الحصار تاريخيا حصار طروادة، و حصار القسطنطينية، و حصار القدس، و حصار الأبيض و الخرطوم في تاريخ السودان و كتب التاريخ تئن من حمل قصص الحصار.
يحدث الحصار لعدة أسباب منها عجز المهاجمين عن السيطرة على الموقع أو المدينة عنوة، و منها أن يمنحوا العدو فرصة للاستسلام حقنا للدماء، أو دفعه نحو الاتفاق على نقاط معينة.
هناك آثار كبيرة و كارثية يحدثها الحصار على المدنيين؛ فإلى جانب وقوع الكثير منهم ضحايا للهجمات المدفعية -المجانيق قديما- و تعريضهم لآثار نقص الماء و الغذاء و الدواء، فالمدنيون معرضون لضغوط نفسية هائلة تسببها آلة الدعاية الحربية، خاصة في شق الحرب النفسية، في ظل غياب المعلومات الحقيقية، و التي تنتشر في غيابها الشائعات.
نسبة لملازمة عمليات القصف لعمليات الحصار، و وجود حالات للقتال المباشر بين الطرفين، و إمكانية تعرض السكان للقتل و البنيات المدنية من مرافق إمداد مائي و مشافي و أسواق للتدمير فقد حظر القانون الدولي الإنساني استخدام أسلوب الحصار في الحرب إلا إذا كان يستهدف قوة مسلحة؛ ما يعني عدم جواز فرض الحصار على مناطق يتواجد فيها السكان قل عددهم أو كثر دون الالتزام بمحددات أوضحها القانون.
في حالات كثيرة يجد المدنيون أنفسهم في خضم المعارك و القصف، و هي الحالة التي أوجب فيها القانون الدولي الإنساني توفير الحماية لهؤلاء المدنيين عن طريق تحديد ما يمكن أن تفعله الأطراف في سبيل تلك الغاية.
و يوجب القانون على الأطراف في كل نزاع السماح للمدنيين بالخروج من المناطق المحاصرة أو التي تشهد عمليات حربية ما دام ذلك الخيار هو فعل مفيد في تجنيبهم القتل أو الإصابة أو الجوع و العطش أو الحرمان من العلاج.
واجبات القائم بالحصار تجاه المدنيين
و خص القانون الطرف الذي يضرب الحصار بالإلزام مع الأطراف الأخرى بعدم الإبقاء على المدنيين داخل منطقة الحصار، و ذلك ما نصت عليه بوضوح اتفاقيات جنيف بشأن الإجلاء فيما يتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة، و المرضى و الجرحى و الأطفال و الحوامل و كبار السن.
و يفرض القانون التزام الحرص التام على عدم إصابة الأشخاص المدنيين الذين قد يتواجدون في مناطق تجري فيها عمليات عسكرية، بما في ذلك اختيار الأسلحة المستخدمة، إذ لا يجوز استخدام القذائف المدفعية التي تمتد آثارها إلى المواقع السكنية على سبيل المثال.
و أوجب القانون كذلك إصدار إنذارات مسبقة و عملية قبل شن هجمات يمكن أن يتأثر بها المدنيون بغرض تمكينهم من اتخاذ ما يلزم لتجنب القتل و الإصابة.
و يعتبر القانون توجيه النيران نحو المدنيين الفارين من منطقة القتال – بما في ذلك النزوح- جرائم حرب محظورة بشكل مطلق، باعتبار أن المدنيين هم فئة غير مقاتلة و مشمولة بحماية الشرائع و القانون.
و لم يغفل القانون الدولي الإنساني تجريم عملية تعمد منع الغذاء و الدواء و كافة متطلبات البقاء عن المدنيين في منطقة القتال، و لا يعتبر الحصار في هذه الحالة مشروعا.
و أكد القانون على أن يكون هدف الحصار هو دفع قوات العدو إلى الاستسلام مع وجوب ضمان أن لا تمتد آثار الحصار إلى ما دون تلك القوات، و لهذا أوجب القانون ضرورة سماح الطرفين للمدنيين بمغادرة المنطقة المحاصرة، منعا لاستخدامهم كدروع بشرية، و منعا لقتلهم أو إصابتهم أو تجويعهم أو حرمانهم من مقومات البقاء على قيد الحياة.

يحظر القانون استخدام المدنيين لتحقيق أي هدف عسكري، بما في ذلك إعاقة عمليات العدو، أو استخدامهم كدروع بشرية، أو عدم السماح بإغاثتهم مع عدم القدرة على توفير سبل البقاء لهم، و مع ذلك لا يجوز استخدام الحصار لإجبار مدنيين على مغادرة مناطقهم بشكل دائم مع جواز أن تتم مغادرتهم بشكل مؤقت لحمايتهم من عمليات عسكرية متوقعة.
و تحدث القانون الدولي الإنساني عن التأكيد على حق عودة النازحين و اللاجئين إلى مناطقهم التي فروا أو تم إجلاؤهم عنها متى شاؤوا “طواعية” و عند انعدام الأسباب الأمنية التي تسببت في نزوحهم أو إجلائهم.
تكون عملية إجلاء المدنيين عن مناطق القتال أكثر مأمونية و عملية عند اتفاق أطراف النزاع على العملية و تفاصيلها، مع الالتزام -في حالة عدم الاتفاق- من جانب كل طرف على عدم تعريض المدنيين للخطر.

و يعد الشخص مدنيا و مشمولا بحماية القانون ما لم يشارك في عمليات عسكرية مباشرة، فإن شارك فيها كان ضمن القوات المقاتلة.
تظل الفائدة الوقائية من أحكام هذا القانون ناقصة مالم يتم إلقاء المزيد من الأضواء عليه، و جعله ضمن مناهج الكليات العسكرية على مستوى العالم، و التأكيد على دورها في حماية حقوق الإنسان خاصة في ظروف استثنائية و شديدة الخطورة كحالات الحرب.
لماذا لا تراعى حقوق المدنيين أثناء الحصار في كثير من الأحيان رغم وجود القوانين؟
هذا السؤال يمس المساحة الواسعة بين النصوص القانونية والواقع الذي يعايشه الناس، فنظريا تقدم القوانين نموذجا إنسانيا رائعا، ولكن عمليا يتم تجاهل كل ذلك في الكثير من الأحيان وذلك لهذه الأسباب:
1/ زخم الحرب ومنطقها يتفوق على القانون حيث تسعى الأطراف المتحاربة دائما إلى إلحاق الهزيمة بالآخر سريعا، فيتم قطع خدمات المياه والكهرباء والغذاء كوسيلة ضغط رغم مخالفة ذلك للقانون.
2/ ضعف آليات التنفيذ لدى المجتمع الدولي، فهو كثيرا ما يعجز عن حمل الأطراف على الامتثال للقانون بالرغم من وجود الانتهاكات الموثقة.
3/ التسييس واستخدام حق الفيتو ، فقد تعرقل الانقسامات داخل مجلس الأمن إصدار القرارات فيكون الردع ضئيلا.
4/ صعوبة تقديم العون الإنساني لأن المنظمات لا تباشر عملها والوصول إلى مناطق الحصار دون الحصول على موافقة الأطراف المتقاتلة، وقد يحدث أن يمتنع طرف عن الموافقة والالتزام بحماية القوافل بحجج أمنية.
5/ صعوبة التمييز بين المدني والمقاتل خاصة داخل المدن، حيث يختلط المسلح بالمدني.
6/ الضغط الإعلامي الذي قد لا يكون كافيا لصناعة رأي عام قوي تجاه الحصار ، مما يؤدي إلى ضعف الضغط العالمي.
7/ بعض القادة الميدانيين في النزاعات خاصة غير المشروعة يعتقدون أن المكاسب العسكرية السريعة أكبر وأهم من العواقب القانونية المؤجلة خاصة إذا اعتقدوا أن بمقدورهم الإفلات من العقاب، وذلك قد يكون مدخلا لممارسة الانتهاكات الواسعة.
يحدث ذلك كثيرا فيستغربه العالم، غير أن ضعف المحاسبة الناتجة عن ضعف آلياتها، وإعاقة السياسة والتوازنات والأحلاف لتنفيذ القوانين هي السبب وراء تناسل الانتهاكات والجرأة في ارتكابها.
المؤكد أن القوانين مبذولة وواضحة، غير أن أثرها يؤسس على الإرادة السياسية والقدرة على التنفيذ، وحجم الضغط الدولي واستمراره، وكذلك قدرة الإعلام على تسليط الضوء على القضية.
عندما لا تتوافر هذه العناصر يكون المدنيون هم الحلقة الأضعف في الحصار.