- عوامل متعددة أولها النزاع وآخرها التغير المناخي قادت الصوماليين نحو واقع قاس ومؤثر!
كتب: محمد عباس الباشا.
لم يكن إعلان الحكومة حالة الطوارئ بسبب الجفاف في الصومال هو أول الإعلامات المحلية التي تعبر عن حالة البلد المنكوب، فهو يعاني منذ عقود من كل شيئ، بداية من الحرب والنزاع وغياب الاستقرار السياسي، ونهاية بعبوس الطبيعة وقسوتها.
في العاشر من نوفمبر 2025 أرسلت الحكومة الصومالية الفيدرالية مناشدة للعالم من أجل جلب المساعدات الإنسانية على وجه السرعة، لمواجهة حالة إنسانية تؤكدها تقارير مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية.
وفي سياق متصل تقول منظمة الزراعة والأغذية التابعة للأمم المتحدة إن استمرار الجفاف في الصومال يشير إلى حالة متفاقمة من تراجع أسباب الحياة، حيث تزداد أزمة المياه، وتموت المراعي.
ما الذي يجعل الصومال في لب هذه الكارثة البيئية المزمنة؟، وما الذي يمكن أن يقدمه العالم في ظل نقص تمويل العمليات الإنسانية؟، المقالة تقدم إجابات لأكثر من سؤال حول الجفاف في الصومال.
الجفاف في الصومال أزمة معقدة
لا ينفك المختصون في البيئة والمناخ من ترديد عبارة “إنها الأزمة البيئية الأكثر تعقيدا”، فموجات الجفاف في الصومال متكررة منذ عشرات السنوات، ما يعني نقص المياة وموت المحاصيل والمواشي والنزوح.
ورغما عن كون الجفاف من الظواهر الطبيعية ممكنة الحدوث إلا أن تكرارها في الصومال بشكل حاد وأثرها المدمر حوَّلها إلى مهدد حقيقي للحياة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

علاقة المناخ بأزمة الجفاف في الصومال
أفضت التغيرات المناخية على مستوى العالم إلى اضطراب في مواسم هطول الأمطار وفق ترتيبها المعهود على المستوى الشعبي التقليدي والمستوى الرصدي.
وتعتمد الصومال على موسمين للأمطار هما “غو” و”دير”، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تذبذبا وتأخرا وانقطاعا للأمطار، مما ساق البلاد مرغمة نحو واقع مأساوي أصاب الزراعة والرعي، وأضحى الجفاف متكررا بأسرع مما تتوقع المجتمعات.
لقد أدى الجفاف في الصومال وموجاته المتكررة إلى بروز مشكلات اجتماعية، وأزمة إنسانية واجهتها المجتمعات المحلية بلا حول ولا قوة.
ضعف إدارة المياه في الصومال
يتحول التغيير الطارئ على نسب هطول الأمطار بسرعة إلى حالة جفاف يهدد حياة الملايين، لسبب أن البلاد لا تحتوي على البنيات الكافية التي تمكنها من الإدارة الرشيدة للمياه من سدود ونحوها من أنظمة حصاد المياه وحجزها.
يعتمد الناس في غالب أرياف البلاد على المخزون الجوفي من المياه ومياه الأمطار، فيتأثرون فوريا بمواسم الجفاف الطويلة.
لقد أسهمت النزاعات المسلحة المزمنة في إقعاد البلاد عن تنفيذ أي من المشروعات التي تسهم في تعزيز نظم المياه والري وإدارة المياه، بل وأسهمت الحروب في إلحاق الأذي بما كان قائما من مشروعات، مما دفع أعدادا كبيرة من السكان للنزوح لمناطق مزدحمة وتعاني أيضا قلة المياه.
ويرينا ذلك كيف أن مسألة الجفاف في الصومال من المشكلات المركبة والأكثر تعقيدا في منطقة القرن الأفريقي.

التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للجفاف
الريفيون هم الأكثر عرضة للآثار القاسية للجفاف في الصومال، وهم بذلك أول الضحايا، لمعيشتهم المرتبطة بالزراعة أو تربية المواشي، حيث يسبب غياب الأمطار نفوق المواشي، وتراجع إنتاج الحبوب الغذائية، وتنامي أسعار السلع الأساسية، وتوقف مئات آلاف الرعاة عن العمل.
وبالطبع تنتج حالات الجفاف في الصومال موجات النزوح الكبيرة تجاه المدن والمخيمات، والتي تبدو فقيرة في الأصل لمقومات استقبال النازحين.
اقتصاديا، لطالما جعلت موجات الجفاف الصومال بلا قدرة على الإنتاج، مع نفاذ مخزون الغذاء، وبالتالي الاعتماد شبه الكامل على المساعدات التي تأتي من الخارج.
ذلك يجعلنا نشاهد ارتفاعا في معدلات الفقر، وسوء التغذية خاصة بين الأطفال والأمهات.
عوامل تزيد من وطأة الجفاف في الصومال
من العوامل التي تزيد من شدة وطأة الجفاف في الصومال ممارسة قطع الأشجار لإنتاج الفحم النباتي، وممارسة الرعي الجائر الذي يقضي بدوره على الغطاء النباتي ويسرع من وتيرة التدهور البيئي، يضاف ذلك إلى سوء إدارة الأراضي والتصحر.
يؤدي تدهور الغطاء النباتي إلى تقليل امتصاص الأرض للمياه، وهو الجفاف بعينه، حيث لا يكون بمقدور البيئة التعافي سريعا حتى بعد انقضاء موجة الجفاف.

كيف أثرت الحرب على تفاقم الجفاف؟
منذ تسعينات القرن الماضي تستمر الحرب في الصومال على نحو يقعد الدولة عن مواجهة الجفاف، ويشتت قدراتها ومواردها عن أهم القضايا التي تمس حياة المواطن المدني المنكوب.
حالة النزاع التي لا تنتهي تسببت في عدم وجود المؤسسات الفعالة والإدارة الموحدة للموارد، مما قلل فعالية الاستجابة الحكومية، و صعبت في أوقات لاحقة حتى جهود إيصال المساعدات الإغاثية لبعض المناطق بفعل النزاع الأعمى، الذي جعل تأثير الجفاف في الصومال أكثر طحنا للفئات الضعيفة وقاطني الأرياف البعيدة.
الاستجابة الدولية وتحديات المستقبل
برغم الجهود الدولية المبذولة عن طريق تمويل المنظمات العاملة، والجهود الحكومية المحلية، إلا أن مشكلة الجفاف في الصومال ستظل قائمة ما لم يتم بناء أعداد كافية من السدود وحفر الآبار العميقة، مع التطوير الفعال لأنظمة حصاد المياه، وتحديث وسائل الرعاة والمزارعين.
ويبقى على الحكومة في الصومال العمل بقوة وحزم للحد من جريمة قطع الأشجار، كما أضحى واجبا على أبناء هذه البلاد إيقاف النزاعات والحروب، حيث لا شيئ يقتتل عليه المتقاتلون في بلاد تموت بفعل الجفاف!!.