قراءة نفسية في أثر الامتناع الواعي على الصحة النفسية: الصوم كعلاج نفسي غير مباشر للإنسان
حدود الصوم كعلاج نفسي
- الالتزام بنظام صوم منتظم يقلل من الشعور بالفوضى الداخلية
بقلم: د. أبي عادل القاسم.
في عالم تتسارع فيه الضغوط النفسية وتتزايد فيه معدلات القلق والتوتر والاكتئاب، أصبح البحث عن وسائل علاجية غير دوائية أمراً بالغ الأهمية. من بين هذه الوسائل يبرز الصوم بوصفه ممارسة روحية وسلوكية تحمل في جوهرها أبعاداً نفسية عميقة، تتجاوز الامتناع عن الطعام والشراب لتصل إلى إعادة تنظيم الداخل النفسي للإنسان. فالصيام، من منظور نفسي، يمكن النظر إليه كـ علاج نفسي غير مباشر، يعمل بهدوء وعمق دون تدخل مباشر أو تقنيات علاجية تقليدية.

الصوم كفعل نفسي قبل أن يكون جسدياً
من الناحية النفسية، الصوم هو فعل اختياري واعي ، يقوم فيه الفرد بتعليق إشباع حاجات أساسية لفترة زمنية محددة. هذا التعليق المؤقت للإشباع يدرب النفس على التحكم، ويعزز الشعور بالسيطرة الداخلية. فالإنسان الذي يختبر الجوع والعطش دون أن ينهار نفسياً، يكتشف قدرته على الصمود، وهي قدرة أساسية في مواجهة الضغوط الحياتية.
تعزيز ضبط النفس والانضباط الداخلي
أحد أهم التأثيرات النفسية للصوم يتمثل في تقوية وظيفة الضبط الذاتي. فالامتناع المتكرر والمنظّم يفعّل آليات التحكم في الدوافع، ويقلل من الاندفاعية.
هذا الانضباط لا يقتصر على الطعام، بل يمتد إلى السلوك والانفعالات والكلام، مما ينعكس إيجاباً على العلاقات الاجتماعية والصحة النفسية العامة.
الصوم وتهذيب الانفعالات
تشير الخبرات النفسية إلى أن الصيام، حين يمارس بوعي، يساعد في إعادة تنظيم الانفعالات. فالجوع يكشف للفرد أن انفعالاته ليست دائماً نتيجة أحداث خارجية، بل أحياناً استجابات داخلية مبالغ فيها. ومع تكرار هذه التجربة، يتعلم الصائم التمييز بين الشعور والانفعال، وبين الحاجة الحقيقية والرغبة المؤقتة، وهو ما يشكل أساساً مهماً للنضج الانفعالي.

تقليل التشتت وتعزيز الحضور الذهني
في الصوم، يقل الانشغال المستمر بالطعام، وهو ما يفتح مساحة ذهنية أكبر للتأمل والانتباه للذات. هذه الحالة تشبه ما تسعى إليه بعض تقنيات العلاج باليقظة الذهنية، حيث يصبح الفرد أكثر وعياً بأفكاره ومشاعره دون اندماج كامل معها. هذا الوعي يقلل من التفكير الاجتراري (المعاد) ويخفف من حدة القلق.
الصوم وإعادة بناء العلاقة مع الجسد
كثير من الاضطرابات النفسية ترتبط بعلاقة مضطربة مع الجسد، سواء من خلال الإفراط أو الإهمال.
الصيام يقدم فرصة لإعادة تنظيم هذه العلاقة، حيث يتعلم الفرد الاستماع لإشارات الجسد دون الاستجابة القهرية لها.
هذا التوازن يعزز احترام الذات ويقلل من الشعور بالذنب المرتبط بالأكل أو الجسد.
البعد الاجتماعي للصوم وأثره العلاجي
الصوم ليس تجربة فردية فقط، بل ممارسة جماعية تشيع فيها قيم التعاطف والتكافل. هذا البعد الاجتماعي يخفف من الشعور بالوحدة، وهو عامل أساسي في الوقاية من الاكتئاب.
المشاركة في الصيام تخلق إحساساً بالانتماء، وهو احتياج نفسي جوهري للإنسان.
الصوم كفرصة لإعادة التقييم النفسي
الصوم يوفر مساحة زمنية ونفسية لإعادة النظر في أنماط الحياة والسلوك. هذا التوقف المؤقت عن الاستهلاك المفرط يفتح باب المراجعة الداخلية، ويساعد على إدراك مصادر التوتر الحقيقية، وليس فقط أعراضها.
من هنا، يمكن للصيام أن يكون مدخلاً لإحداث تغييرات نفسية مستدامة.

الصوم والتخفيف من القلق
من الملاحظ نفسياً أن الالتزام بنظام صوم منتظم يقلل من الشعور بالفوضى الداخلية. وجود إطار زمني واضح، ونظام يومي منضبط، يمنح النفس شعوراً بالأمان والاتزان.
هذا التنظيم ينعكس مباشرة على خفض مستويات القلق، خاصة القلق الناتج عن فقدان السيطرة.
الصوم وبناء الصلابة النفسية
الصلابة النفسية تُبنى عبر التعرض المنظم للتحديات. الصيام يمثل تحدياً يومياً بسيطاً لكنه متكرر، يدرّب النفس على التحمل والصبر.
ومع مرور الوقت، يكتسب الفرد ثقة أكبر في قدرته على مواجهة الصعوبات، وهو عنصر أساسي في الوقاية من الانهيارات النفسية.
حدود الصوم كعلاج نفسي
رغم فوائده النفسية الكبيرة، من المهم التأكيد على أن الصوم ليس بديلاً مباشراً للعلاج النفسي المتخصص في الحالات المرضية الشديدة، بل هو عامل داعم ومكمل. فعندما يُمارس بوعي واعتدال، يصبح أداة قوية لتعزيز الصحة النفسية، أما إذا ارتبط بالضغط أو القهر، فقد يفقد أثره العلاجي.
خاتمة
الصوم، في جوهره النفسي، ليس حرماناً بل تدريباً وليس ضعفاً بل قوة داخلية تُبنى بهدوء.
إنه ممارسة تعيد للنفس توازنها، وتمنحها فرصة للشفاء غير المباشر عبر الانضباط، والوعي، وإعادة الاتصال بالذات.
من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الصوم كأحد أعمق أشكال العلاج النفسي غير المباشر، الذي يعمل بصمت، لكنه يترك أثراً ممتداً في النفس والسلوك والحياة.
بقلم 🖋
أبي عادل القاسم الجاك
اختصاصي ومعالج نفسي
رقم العيادة الاونلاين واتساب
00249116071234