الخرطوم تقرع جرس العام الدراسي الجديد: رؤية الدولة وتحديات الواقع في زمن استثنائي
رؤية الدولة في العام الدراسي الجديد: التعليم أولاً رغم الجراح
- تطبيق هذه المناهج في العام الدراسي الجديد ليس مجرد حل مؤقت
بقلم: د. نجلاء عبد المحمود أحمد الجيلي.
في صبيحة يوم الأحد الماضي، وقبل أن تشرق شمس الخرطوم بكامل دفئها، أيقظت آلاف الأسر السودانية أطفالها على صوت يختلف عن كل الأصوات التي اعتادوها في السنوات العجاف الماضية، قبيل بداية العام الدراسي الجديد.
كان صوت جرس المدرسة يعود من جديد، يحمل بين نغماته رسالة واحدة: الحياة لا تتوقف، والتعليم ينتصر على الرصاص.
ذلك الصباح، قرعت الخرطوم جرس العام الدراسي الجديد 2025-2026، في مشهد أرادت منه الدولة أن تكون نقطة تحول حقيقية، وإعلان تحدٍ صادق، وبصيص أمل يُطل من نافذة مدينة ظلت لسنوات ترزح تحت وطأة الحرب والدمار.
إنها عودة تحمل في طياتها رؤية جديدة مفادها أن السودان رغم جراحه قادر على النهوض، وأن الخرطوم رغم ما ألم بها ستظل منارة للعلم ومنبعاً للحياة.

رؤية الدولة في العام الدراسي الجديد: التعليم أولاً رغم الجراح
لم يكن قرار فتح المدارس في هذا التوقيت اعتباطياً، بل جاء تتويجاً لرؤية دولة تؤمن بأن التعليم ليس كغيره من الأولويات، وأن استقرار العملية التعليمية هو استقرار للمجتمع بأسره.
الدولة السودانية، ممثلة في وزارة التربية والتعليم، قررت أن تنتقل من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء المستقبل، مؤمنة بأن إغلاق المدارس ليس حلاً، وأن تعطيل جيل كامل هو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي أمة.
هذه الرؤية استندت إلى قناعة راسخة بأن العودة إلى المدارس من خلال العام الدراسي الجديد، رغم كل التحديات، هي الخطوة الأولى على طريق التعافي الشامل، فالمدرسة ليست مجرد مكان لتلقي الدروس، بل هي فضاء لاستعادة التوازن النفسي والاجتماعي للأطفال الذين حرموا من حياتهم الطبيعية لسنوات.
إنها المكان الذي يمكن أن يلملم جراح الطلاب، ويعيد لهم شيئاً من الأمان المفقود، ويؤسس في نفوسهم أن الغد يمكن أن يكون أفضل.

تحديات الواقع: بين الإرادة والإمكانيات
لكن الدولة، في رؤيتها هذه، لم تكن تغفل للحظة حجم التحديات الهائلة التي تواجه هذا المشروع الطموح. فالخرطوم التي تعود اليوم ليست الخرطوم التي كانت قبل الحرب.
مئات المدارس إما دمرت بالكامل أو تحولت إلى مراكز إيواء أو أصبحت كما وصفها الآباء بـ”المقابر المهجورة”.
آلاف المعلمين إما استشهدوا أو نزحوا أو هاجروا بحثاً عن لقمة عيش كريمة، وآلاف الأسر تعاني من شبه انعدام فرص العمل، في وقت تتقاطع فيه متطلبات الدراسة مع احتياجات رمضان واستعدادات العيد.
التحدي الأكبر يتمثل في طلاب الثالث متوسط والثالث ثانوي، الذين وجدوا أنفسهم في موقف فريد: يفتتحون العام الدراسي الجديد بينما لا يزالون غارقين في امتحانات العام المنصرم.
أي عبء نفسي هذا الذي يحمله هؤلاء الطلاب؟ وأي تركيز ننتظره منهم وهم يحاولون التوفيق بين عامين دراسيين في وقت واحد؟
كما أن البنية التحتية المهترئة، ونقص الكوادر التعليمية الذي وصل في بعض المناطق إلى 50%، وصعوبة توفير المستلزمات المدرسية في ظل غلاء الأسعار وشح السيولة، كلها تحديات حقيقية تواجه هذا المشروع الوطني الكبير.
المناهج المعدة للطوارئ: حل استراتيجي لتجاوز التحديات
في مواجهة هذه التحديات المركبة، تقدم الدولة رؤية مبتكرة تتمثل في الاستفادة من المناهج المعدة خصيصاً للازمات والطوارئ. هذه المناهج، التي صممت لتكون أكثر مرونة وقابلية للتكيف مع الظروف الاستثنائية، تمثل أداة حاسمة لتجاوز العقبات الراهنة.
المناهج المعدة للطوارئ تتميز بأنها:
· مرنة في الزمن: تتيح إنجاز المحتوى التعليمي في فترات زمنية أقل دون الإخلال بالجودة.
· مركزة على المهارات الأساسية: تركز على الكفايات الضرورية التي يحتاجها الطالب في حياته العملية.
· قابلة للتكييف مع الظروف المختلفة: سواء في الفصول المدرسية أو في مراكز الإيواء أو حتى عبر التعلم عن بعد.
· مدعومة بمواد تعليمية مبسطة: تساعد الطلاب على التعلم الذاتي في غياب المعلمين.
إن تطبيق هذه المناهج في العام الدراسي الجديد ليس مجرد حل مؤقت، بل هو نقلة نوعية في طريقة التفكير في العملية التعليمية.
إنها تمكن المعلم من أداء رسالته في أصعب الظروف، وتساعد الطالب على مواصلة تعليمه رغم كل العوائق، وتخفف العبء عن الأسرة التي تعاني من ضغوط متعددة. بل إنها تمنح الجميع – طلاباً ومعلمين وأسر – الفرصة لتجاوز هذه المرحلة العصيبة بأقل الخسائر الممكنة.

وقفة مع المواطن المغلوب على أمره
هذا المقال، وقبل أن يكون تحليلاً للرؤية الرسمية أو رصداً للتحديات، هو وقفة صادقة مع المواطن السوداني المغلوب على أمره، ذلك الأب الذي أيقظ أطفاله في صبيحة الأحد الماضي وهو يعلم في قرارة نفسه أنه لا يملك ثمن الزي المدرسي لمواكبة العام الدراسي الجديد.
تلك الأم التي ودعت ابنها ذاهباً إلى المدرسة وهي تخفي دموعها لأنه سيذهب دون إفطار. ذلك الطالب الذي حمل حقيبته بيد وهمومه باليد الأخرى.
جاء الوقت ليشعر المواطن السوداني، رغم قتامة المشهد وصعوبة الظروف، أنه في بلده حقاً. أن هناك دولة تفكر فيه، وتضع نصب عينيها معاناته اليومية، وتسعى جاهدة لتخفيف الأعباء عنه.
أن القرارات التي تتخذ ليست بعيدة عن واقعه المرير، بل تنطلق من فهم عميق لتحدياته وتسعى لتقديم حلول حقيقية.
إن الشعور بالانتماء الحقيقي لا يأتي من الخطب الرسمية ولا من التصريحات الإعلامية، بل يأتي عندما يلمس المواطن أثر القرارات على أرض الواقع. عندما يجد أن هناك من يفكر في كيفية توفير الدعم النفسي لابنه الذي عايش رعب الحرب.
عندما يجد أن هناك من يسعى لتأمين وجبة مدرسية لأطفال الجوعى. عندما يجد أن هناك من يبحث عن آليات لتخفيف أعباء المصاريف الدراسية في زمن بات فيه الرغيف حلماً.
نظرة الدولة اختلفت: من إدارة الأزمة إلى بناء المستقبل
لعل ما يميز هذه المرحلة وبدايات العام الدراسي الجديد أن نظرة الدولة للوضع اختلفت جوهرياً. لم تعد الرؤية قاصرة على إدارة الأزمة يومياً والتعامل مع تبعاتها بشكل ارتجالي.
اليوم، هناك نظرة استراتيجية شاملة تضع التعليم في صلب مشروع النهضة الوطني.
هذه النظرة الجديدة تستند إلى عدة ثوابت:
· التعليم أمن قومي: لا يمكن المساس به أو التهاون فيه تحت أي ظرف.
· الاستثمار في الإنسان: هو الاستثمار الحقيقي الذي لا ينضب.
· العدالة الاجتماعية: يجب أن تصل خدمات التعليم لكل طالب في كل بقعة من الوطن.
· الشراكة مع المجتمع: لا يمكن للدولة وحدها أن تنجح دون تعاون الأسر والمجتمع المدني والقطاع الخاص.
إن فتح المدارس وبداية العام الدراسي الجديد في هذا التوقيت، رغم كل التحديات، هو تجسيد عملي لهذه النظرة الجديدة. إنه رسالة للعالم أن السودان رغم جراحه قادر على النهوض، وأن الخرطوم رغم آلامها ستظل عاصمة للعلم والحياة.
ختاماً.. تحديات كبيرة وأمل أكبر
نعم، التحديات لا تزال كبيرة. نعم، الطريق لا يزال طويلاً. نعم، هناك مئات المدارس بحاجة لإعادة بناء، وآلاف المعلمين بحاجة لدعم وتأهيل، وعشرات الآلاف من الطلاب بحاجة لمناهج تراعي ظروفهم الاستثنائية، وملايين الأسر بحاجة لفرص عمل تعيد لها كرامتها وتأمين مستقبل أبنائها.
لكن الأمل أكبر. الأمل في هؤلاء الأطفال الذين ارتدوا زيهم المدرسي وذهبوا إلى مدارسهم في بداية العام الدراسي الجديد رغم كل شيء. الأمل في هؤلاء المعلمين الذين قرروا العودة إلى فصولهم رغم قلة الأجر وصعوبة الظروف.
الأمل في هؤلاء الآباء والأمهات الذين يضربون أروع أمثلة التضحية لتعليم أبنائهم. والأمل في دولة باتت تنظر للمواطن بعين الرعاية والاهتمام، وتسعى بجد لتوفير حياة كريمة لأبنائها.
رمضان يمضي، والعيد يلوح في الأفق، والعام الدراسي الجديد بدأ للتو. اللهم وفق السودان وأهله، اللهم اجعل هذه العودة من هلال العام الدراسي الجديد بداية حقيقية للتعافي والنهضة، اللهم إنهم في أمس الحاجة إلى رحمتك وتوفيقك.
“جاء الوقت ليشعر المواطن السوداني أنه في بلده، رغم المشهد المظلم، لأن نظرة الدولة اختلفت.. نظرة تعيد للإنسان كرامته وللأمل مكانته”.