كيف تعيد الحروب تشكيل الاستراتيجيات الدفاعية طويلة المدى للدول؟
لماذا يجب أن تبقى الاستراتيجيات الدفاعية في حالة تطوير مستمر؟
- الذين يستوعبون دروس الماضي يستطيعون بناء استراتيجيات دفاعية أكثر استدامة وكفاءة وقدرة على التعامل مع التحديات
بقلم: علي عمر عبد العظيم.
الأمر الذي لا شك فيه أن الحروب تسهم بشكل مباشر وقوي في إعادة تشكيل الاستراتيجيات الدفاعية للدول، إذ لا تنحصر آثار هذه الحروب في النتائج العسكرية المباشرة، وإنما تتمد لتؤثر على بنية التفكير العسكري والتخطيط الاستراتيجي والاقتصاد القومي.
الشواهد التاريخية تؤكد أن كل حرب كبيرة يعقبها تقييم جديد يشمل الاستراتيجيات الدفاعية الخاصة بالدول بما يناسب التهديدات الناشئة والمستمرة والمحتملة.
كيف تغير الحروب الاستراتيجيات الدفاعية والعقيدة العسكرية؟
تتعدد محفزات تطوير العقيدة العسكرية التي تشكل أساسا تقوم عليه الاستراتيجيات الدفاعية، غير أن الحروب هي أكبر هذه المحفزات، فما إن انتهت الحرب العالمية الأولى حتى أدركت الدول المختلفة ضعف تأثير الأساليب التقليدية التي اتبعت، وكان ذلك سببا ألح على الجميع من أجل تطوير مفاهيم وأساليب جديدة ظهرت بوضوح خلال الحرب العالمية الثانية التي اندلعت بعد سنوات قليلة.
التغييرات التي طرأت بعد الحربين أظهرت صياغة جديدة ومتقدمة لكافة الاستراتيجيات الدفاعية، لتكون مرنة بصورة أكبر وأكثر قدرة على مجابهة التهديدات.
وعندما برزت الدبابة كعنصر أساسي وحاسم في الحروب تم تطوير الأساليب المضادة لها ومن ضمنها قاذفات الصواريخ المحمولة المضادة للدروع، وقاد ذلك بدوره إلى سباق في تطوير الدروع وأجهزة التوجيه الليزري.

وكذا شهد الدفاع الجوي تطورا عظيما تبعا لتطور الطائرات القاذفة والمقاتلة، فمن مدافع “فلاك” التي تشغلها طواقم بشرية والتي كانت تعد نموذجا للأسلحة التقليدية المضادة للطائرات في أربعينات القرن الماضي، أصبح العالم اليوم في سباق محموم في مجالات أنظمة الدفاع الجوي المتطورة غير المأهولة والتي تعمل في كافة الظروف بتقنيات معقدة للتعرف على الأهداف بأنواعها والتعامل معها.
وأجبر ظهور الطائرات المسيرة في ساحات الحرب الدول نحو العمل على إنتاج أسلحة مضادة لها، كما أدى التطور المتسارع في عالم المسيرات إلى تطور متسارع أيضا في التقنيات المضادة لها.
وهكذا يظل العلم والتطور يقودان العالم ويؤثران على ميزانيات شعوبه في سباق مستمر لا يهدأ ولا يتوقف، والحقيقة أن التطور العلمي يقود البشرية في سباقات في ميادين أخرى قضت فعليا على أنظمة تقليدية، ونقلت تصورات وأفكار بكاملها إلى التاريخ، حتى أن عمر نظام ما في مجال الطب أو الإعلام مثلا أصبح لا يصمد عاما أو عامين ليحال إلى الماضي.
التطور العلمي لا يكلف الدول فقط القيمة المادية للتقنيات، وإنما يكلف كذلك تدريبا مستمرا وبناء خبرات مستدام بواسطة مؤسسات ومعاهد فنية وعلمية ومراكز أبحاث نشطة قادرة على المواكبة والتقدم خطوة لإحداث السبق والذي قد يكون في يوم ما القشة التي تثقل كفة الميزان في حرب قادمة.
الحديث عن الحرب في زمن السلام يهدف بالأساس إلى حماية السلام، لا يكون ذلك تبريرا لزيادة حجم الإنفاق العسكري، إنما التاريخ يؤكد أن العالم في حالة حرب تتخللها أوقات سلام، وهو ما يستدعي الاستعداد الدائم.

دور التكنولوجيا في تطوير الاستراتيجيات الدفاعية
عند تناول الاستراتيجيات الدفاعية في أي دراسة أو رأي لا يمكن الحديث عنها بمعزل عن التكنولوجيا، والتي ولجت المجال الدفاعي بقوة وصارت من أعمدته خلال فترة الحرب الباردة.
خلال فترة الشد والجذب بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية حقق الابتكار العسكري طفرة كبيرة شكلت أساسا مهما لكل ما سيأتي في هذا المجال في المستقبل القريب، فقد جرى تطوير الأنظمة الدفاعية المتقدمة، كما جرى تطوير آليات الردع النووي والتي تجاوزت غرضها العسكري لتؤثر على ملامح السياسة الدولية والتحالفات على مستوى العالم.
في عالمنا الحاضر ترتكز الاستراتيجيات الدفاعية بشكل أساسي على التقانات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية والطائرات المسيرة، ويجعل ذلك الدول المتطورة في خانة المتفوق دون حاجة إلى مواجهة مباشرة يخسر فيه العنصر البشري الأرواح.
كيف عززت الحروب مفهوم الردع في الاستراتيجيات الدفاعية؟
بعد الهجوم الأمريكي على مدينتي ناغازاكي وهيروشيما في نهايات الحرب العالمية الثانية والذي أجبر الإمبراطورية اليابانية على الاستسلام أضحت فكرة الردع أساسية في الاستراتيجيات الدفاعية الدولية، وأصبحت هناك رغبة دائما لبناء قدرات قوية قادرة على ردع أي هجوم قد يتم شنه.
تجتهد الاستراتيجيات الدفاعية في الوقت الماثل من أجل خلق التوازن بين القوة العسكرية والاستعداد النفسي للعدو، ليكون الهجوم خيارا بلا جدوى.
دور التحالفات في تعزيز الاستراتيجيات الدفاعية
بروز التحالفات العسكرية والتي كانت الحرب سببا مباشرا لها شكل ملمحا مهما من ملامح الاستراتيجيات الدفاعية، وأبرز شاهد على ذلك حلف شمال الأطلسي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وهو الحلف الذي انتصر على حلف وارسو في الحرب العالمية الأخيرة.
تدعم التحالفات مفهوم “الدفاع المشترك” والذي يحقق ميزتين مهمتين هما:
أولا: تمتع الدول بقوة إضافية.
ثانيا: تقليل المخاطر عندما تتم ممارسة الدفاع ضمن الاستراتيجيات الدفاعية الجماعية.
تأثير الحروب على الاقتصاد وعلاقة ذلك بالاستراتيجيات الدفاعية
الأثر البالغ للحروب على الاقتصاد يتمظهر في الدفع نحو زيادة الإنفاق العسكري والتطوير الدفاعي، ومستقبلا تكون هذه الأصول بعضا من منظومة الاستراتيجيات الدفاعية طويلة المدى.
بمعنى آخر فإن الدول لا تتخلى عن برامجها الصناعية العسكرية بانتهاء الحرب، بل وتحرص عبر برلماناتها على تحديد حجم دائم للإنفاق الدفاعي وفق الميزانية العامة يشمل البحوث والتسليح والتدريب التقاني وغير ذلك.
الهدف الدائم لكل الدول هو الوصول للاكتفاء الذاتي في مجال الصناعات العسكرية لأجل الوصول إلى استقلال الاستراتيجيات الدفاعية ونسف التأثير الخارجي الذي يهدد هذا الاستقلال.

تطور الاستراتيجيات الدفاعية في الحروب الحديثة
بداية بحرب الولايات المتحدة على العراق أظهرت مفاهيم الحرب تغيرات كبيرة، وأجبر ذلك الدول المختلفة على تطوير الاستراتيجيات الدفاعية لتضم مجالات لم تكن مضمنة من قبل مثل:
1/ الأمن السيبراني.
2/ مكافحة الإرهاب.
3/ العمليات الخاصة.
4/ الحرب الهجينة.
وبدخول هذه المجالات أصبحت الاستراتيجيات الدفاعية أكثر قدرة على التعامل مع التهديدات غير التقليدية، ولكنها أصبحت أكثر تعقيدا في ذات الوقت.
ما هي علاقة الأمن الداخلي بالاستراتيجيات الدفاعية؟
لم ينفك الارتباط بين الأمن الداخلي والاستراتيجيات الدفاعية منذ القدم، ولكن الذي طرأ حديثا هو تضمين الأمن الداخلي في استراتيجيات الدفاع، ليكون الناتج هو السعي الدائم لتحسين القدرات الاستخباراتية وتجويد الاستجابة للطوارئ.
تبني الدول المختلفة ما يمكن تسميته ب “المرونة القومية” وهو الهدف الأكبر من تعزيز القدرة على الصمود أمام الأزمات أيا كانت.
مستقبل الاستراتيجيات الدفاعية في عالم سريع التغير
تتكاثف التحديات التي تواجه استراتيجيات الدفاع بفعل تسارع التطورات العالمية، ومن أمثلة هذه التحديات، الهجمات السيبرانية المعقدة والتي من شأنها إحداث الشلل الكامل في أنظمة الدولة العسكرية والمدنية، وكذلك صراعات الفضاء، وتطوير الأسلحة غير المأهولة.
يضغط ذلك على المختصين باستمرار من أجل التطوير المستمر لتحقيق المواكبة، حتى لا تحدث صدمات كانت أبرز شواهدها المواجهة بين الدبابات الألمانية الحديثة وقتها ووحدات أوروبية كانت تستغل الخيول في بداية الحرب العالمية الثانية.
لماذا يجب أن تبقى الاستراتيجيات الدفاعية في حالة تطوير مستمر؟
تبقى الحروب هي العامل الأكثر تأثيرا في تشكيل الاستراتيجيات الدفاعية للدول، إذ تجبر الحروب الدول على التعلم والتحليل والاستشفاف والتفكير الإبداعي والتكيف مع الواقع الماثل والمتوقع.
الذين يستوعبون دروس الماضي يستطيعون بناء استراتيجيات دفاعية أكثر استدامة وكفاءة وقدرة على التعامل مع التحديات.
ولأن العالم في حالة تطور مستمر لا يهدأ ولا يتوقف يوما فإن طبيعة التهديدات تظل في حالة تغير وتطور مستمرين، وتبعا لذلك تظل الاستراتيجيات الدفاعية في حالة تطور مستمر في غابة العالم شديدة التنافس والمتسمة بالتشابك والتعقيد.