تاريخ الاستثمارات الصينية في أفريقيا: من التعاون السياسي إلى الشراكة الاقتصادية
الاستثمارات الصينية في أفريقيا وأرقام النمو
- عملت الصين بهدوء وطموح للاستثمار في الاحتياطات الأفريقية
بقلم: محمد معتصم إبراهيم.
خلال عقود قليلة مضت تطورت الاستثمارات الصينية في أفريقيا على نحو يدعو إلى التأمل في حجم هذا الاختراق والنجاح الاقتصادي الصيني الذي جعل من الصين واحدا من أكبر الشركاء الاقتصاديين في القارة الأفريقية.
يمكننا اليوم رؤية ملامح بكين في الكثير من الدول الأفريقية، تخدم في مشروعات متنوعة بداية بالطاقة وانتهاء بالاتصالات، في تمظهر لم يولد فجأة وإنما نتاجا لعلاقات طويلة نشأت في خمسينات القرن الماضي.
في ذلك الحين قدمت الصين الدعم لعدد من الحركات المناوئة للاستعمار الغربي في أفريقيا، وقد مهد ذلك إلى نشوء علاقات اقتصادية مثمرة في قطاعات البنى التحتية والتعدين والطاقة والتكنولوجيا.
تؤكد تقارير حديثة وموثوقة أن الصين أصحت خلال ال 20 عاما الماضية أكبر شركاء أفريقيا التجاريين، بل ونفذت هذه الشراكات عددا كبيرا من المشاريع التي أحدثت تحولات اقتصادية في دول أفريقية.

الاستثمارات الصينية في أفريقيا: البدايات التاريخية
يرجع المؤرخون نشوء العلاقات الصينية الأفريقية إلى الفترة التي تلت تأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 1949.
كان الطابع الثوري للصين سببا في دفعها نحو توسيع النفوذ الاستثماري والسياسي بعيدا في أفريقيا التي كانت تتوثب غالبية شعوبها وترنو للاستقلال.
وفي عقدي الخمسينات والستينات من القرن ال 20 اهتمت الصين ببناء بإنشاء علاقات سياسية ودبلوماسية مع الدول الأفريقية التي نالت استقلالها.
كانت حكومات الدول الأفريقية تتوق إلى تعاون مثمر تقدمه لشعوبها كثمار مبكرة للاستقلال، فبرز مشروع سكة حديد تنزانيا – زامبيا في السبعينات كأبرز علامات التعاون الباكر.
نفذت الصين المشروع عن طريق تقديم التمويل والاستعانة بآلاف العمال والمهندسين، ولهذا كان المشروع نموذجا مبكرا للتعاون.
لم تكن الاستثمارات في تلك الفترة على الاتساع الذي نشاهده اليوم، فقد كانت محدودة نسبيا تركز على المساعدات التنموية والمشاريع ذات الطابع السياسي والاستراتيجي.
الطفرة الاقتصادية في التسعينات
شهدت الصين منذ أواخر سبعينات القرن الماضي إصلاحات اقتصادية مكنت الشركات الصينية من التمدد خارجا.
وهو ما أظهره الاهتمام الصيني في التسعينيات بالأسواق الناشئة والاستثمار في الموارد الأفريقية.
في عقد التسعينيات عملت شركات صينية كبيرة في مجالات الطاقة والتعدين والإنشاءات في عدد من دول أفريقيا، خاصة في زامبيا وأنجولا والسودان وجنوب أفريقيا.
وقفز حجم التجارة البينية بين الصين وأفريقيا من 10 مليارات دولار في بداية الألفية إلى مستويات أعلى بكثير خلال سنوات قليلة.
فتح ذلك السبيل نحو توسع غير مسبوق في الاستثمارات الصينية في أفريقيا.

منتدى التعاون الصيني الأفريقي ودوره في تعزيز الشراكة
تأسس في عام 2000 منتدى التعاون الصيني الأفريقي FOCAC وهو الخطوة التي بدأت منها قفزات واسعة في العلاقات الاقتصادية بين الصين وأفريقيا.
تابع المراقبون كيف أن الصين أعلنت خلال المنتدى عن حزم تمويلية لدعم مشاريع البنى التحتية والتنمية الصناعية في القارة.

لاحقا عقدت قمم دورية للمنتدى ليكون مجالا حيويا وقعت فيه عشرات الاتفاقيات المثمرة.
وخلال ال 20 عاما الفائتة مولت الصين بمئات مليارات الدولارات مشاريع بنى تحتية شملت الطرق والسكك الحديدية والمطارات والموانئ ومحطات توليد الكهرباء في دول مختلفة في أفريقيا.
أسهمت هذه الاستثمارات في تعزيز البنى في عدد من الدول ذات الضعف التنموي والحاجة المزمنة للتمويل.
الاستثمارات الصينية في أفريقيا وأرقام النمو
اتكالا على بيانات مقدمة من وزارة التجارة الصينية فإنه وخلال القرن الحادي والعشرين حققت الاستثمارات الصينية في أفريقيا نموا هائلا، حيث ارتفع الرصيد التراكمي الصيني في أفريقيا من أدنى من مليار دولار في عام 2000 إلى أعلى من 40 مليار دولار في الأعوام الأخيرة.
وفي ذات الفترة تخطى حجم التجارة بين الصين وأفريقيا 280 مليار دولار سنويا، وذاك ما يجعل المراقبين والاقتصاديين يصفون الصين بأنها الشريك الاقتصادي الأكبر لأفريقيا.
تؤكد التقديرات أن نحو 3000 شركة صينية تنفذ حاليا مشروعات مختلفة في أفريقيا، وهي تطرح بذلك مئات آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة.
ومن واقع المتابعات يمكننا التأكيد على أن الاستثمارات الصينية في أفريقيا تتركز في دول مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا وأنجولا ومصر وكينيا وإثيوبيا والكونغو الديمقراطية وزامبيا.
أبرز القطاعات الاستثمارية التي تعمل فيها الصين
تستثمر الصين في قطاع البنية التحتية، وهو أهم مجالات الاستثمار الصيني في أفريقيا.
أبرزت الصين قدرات كبيرة فنية وتمويلية عندما أسهمت في بناء آلاف الكيلومترات من السكك الحديدية والطرق والكباري أبرزها خط القطارات الرابط بين أديس أبابا وجيبوتي على ساحل البحر الأحمر، وسكة حديد مومباسا- نيروبي في كينيا.
وتجتذب قطاعات الطاقة والكهرباء استثمارات صينية ضخمة تشمل سدود توليد الكهرباء ومحطات إنتاج الطاقة الشمسية والرياح.
أسهم هذا النوع من الاستثمارات في توفير الكهرباء في مناطق أفريقية كانت تعاني فشل الوصول إلى الخدمات.
وتستثمر الصين في مجالات الموارد الطبيعية والتعدين استفادة من احتياطات أفريقيا الكبيرة من الكوبالت والنحاس والذهب والحديد والليثيوم.
وهنا لا بد من الإشارة إلى زامبيا والكونغو الديمقراطية كوجهتين بارزتين للاستثمارات الصينية في مجال التعدين.
ويجتذب قطاع الاتصالات والتكنولوجيا الاستثمارات الصينية في أفريقيا بشكل كبير، حيث ساهمت الشركات الصينية في إنشاء شبكات الهاتف المحمول والإنترنت.
مبادرة الحزام وتأثيرها على القارة الأفريقية
في عام 2013 أطلقت الصين مبادرة الحزام والطريق التي ترمي إلى دعم العلاقات الاقتصادية عالميا، وبالطبع استفادت أفريقيا من المبادرة التي كانت مظلة لتمويل مشروعات كبيرة في قطاعات النقل والطاقة.
الفوائد الاقتصادية للاستثمارات الصينية في أفريقيا
بفضل الاستثمارات الصينية في أفريقيا تحققت مكاسب عدة لعدد من الدول الأفريقية في مجالات البنية التحتية وتوفير فرص العمل واكتساب الخبرات ونقل التقانات ورفع الإنتاج الزراعي وتسهيل حركة التجارة الداخلية والخارجية ودعم مشاريع الطاقة.
ودعمت استثمارات الصين التنمية الحضرية وسرعت نمو الاقتصادات الأفريقية.