تقارير و مقالات

جرد الحساب العاطفي: كيف تُغلق دفاتر العام دون أن تُحاكم نفسك؟

جرد الحساب العاطفي وفخ "الانحياز السلبي": لماذا نتذكر السقطات وننسى الانتصارات؟

دعونا نغلق هذا العام ونحن نهمس لأنفسنا: "لقد فعلت ما بوسعي، وهذا يكفي"
  • محاكمة "أنت الماضي" بمعايير ووعي "أنت الحالي" هي ظلم صريح

كتب: د. أبي عادل القاسم.

​هل شعرت يوماً ونحن نقترب من نهاية شهر ديسمبر، بأنك تقف أمام قاضٍ صارم لا يرحم، وهذا القاضي هو “أنت”؟، لجرد الحساب العاطفي والذي قد يكون ثقيلا؟.

​مع اقتراب عقارب الساعة من إعلان نهاية عام وبداية آخر، تنشط داخلنا عملية نفسية معقدة وتلقائية؛ إنها “مراجعة الذات“. ولكن، بالنسبة للكثيرين منا، لا تكون هذه المراجعة مجرد تأمل هادئ للأحداث، بل تتحول إلى محكمة عسكرية عاجلة.
نفتح الدفاتر النفسية القديمة، ليس لنفهم ما حدث، بل لنحصي الخسائر، ونعدد الخيبات، ونصدر أحكاماً قاسية على ذواتنا بسبب أهداف لم تتحقق أو علاقات انتهت.


​إن جرد الحساب العاطفي وإغلاق الدفاتر النفسية السنوية فن لا يتقنه الكثيرون، إنه الحد الفاصل بين أن تدخل العام الجديد بحكمة المستكشف الذي تعلم من رحلته، وبين أن تدخله بظهرٍ محنيّ تحت وطأة شعور بالذنب وجلد الذات.

هذا المقال ليس دعوة لتجاهل الأخطاء، بل هو خارطة طريق نفسية لإجراء “جرد عاطفي” رحيم، يحول الألم إلى حكمة، والندم إلى درس، دون أن يسلبك احترامك لذاته.

جرد الحساب العاطفي وفخ “الانحياز السلبي”: لماذا نتذكر السقطات وننسى الانتصارات؟


​قبل أن تبدأ في تصفح روزنامة عامك المنصرم، وجرد الحساب العاطفي، عليك أن تفهم آلية عمل عقلك.

يشير علم النفس المعرفي إلى ما يُعرف بـ “الانحياز السلبي” (Negativity Bias)، وهي نزعة تطورية تجعل أدمغتنا تعطي وزناً أكبر للأحداث السلبية والمؤلمة مقارنة بالأحداث الإيجابية. كان هذا مفيدًا لأسلافنا لتجنب المخاطر، لكنه اليوم هو العدو الأول لسلامك النفسي في نهاية العام.


​عندما تجلس لتتذكر ما حدث، سيقفز عقلك تلقائياً نحو تلك اللحظة المحرجة في العمل، أو المشروع الذي فشل، أو الخلاف العائلي الحاد، بينما سيتم تهميش مئات اللحظات التي كنت فيها منضبطاً، صبوراً، وناجحاً.

الوعي بهذا التحيز هو الخطوة الأولى: عقلك ليس مؤرخاً محايداً؛ إنه مخرج درامي يميل لتضخيم المآسي. لذا، عند إغلاق دفاتر هذا العام، يجب أن تستحضر “محامي الدفاع” الداخلي، وليس فقط “المدعي العام”، ليعيد التوازن إلى القصة ويذكرك بأن الصورة أكبر بكثير من مجرد تلك البقع السوداء.

​الفرق الجوهري: بين “المحاسبة” و”جلد الذات”


​الخلط الأكبر الذي يقع فيه الأشخاص الطموحون هو الاعتقاد بأن القسوة على الذات هي الطريق الوحيد للتطور. الحقيقة النفسية تقول عكس ذلك تماماً. هناك فرق شاسع بين “المحاسبة المسؤولة” و”جلد الذات المدمر”.

  • جلد الذات هو هجوم شخصي على هويتك. لغته تقول: “أنا فاشل لأنني لم أحقق هذا الهدف”. إنه يركز على العيب في التكوين الشخصي، مما يولد شعوراً بالعار (Shame)، والعار شعور يسبب الشلل والانكماش.
جرد الحساب العاطفي
الرضا لا يأتي بجلد الذات
  • ​المحاسبة المسؤولة عند جرد الحساب العاطفي هي تقييم للسلوك والظروف. لغتها تقول: “الاستراتيجية التي استخدمتها لم تنجح، أو الظروف لم تكن مواتية”. إنها تركز على الفعل والنتيجة، مما يولد شعورًا بالمسؤولية (Guilt/Responsibility)، وهو شعور دافع للتغيير والتحسين.
  • لإغلاق دفاتر العام بسلام، استبدل سؤال “لماذا أنا هكذا؟” بسؤال “ماذا يمكنني أن أفعل بشكل مختلف؟”. السؤال الأول يقودك إلى دوامة اكتئابية، بينما الثاني يفتح لك بوابة الحلول الإبداعية.

​متلازمة “زيجارنيك” والملفات المفتوحة


​لماذا تلاحقنا الأهداف غير المكتملة في أوقات جرد الحساب العاطفي أكثر من تلك التي أنجزناها؟.

في علم النفس، يُعرف هذا بـ “تأثير زيجارنيك” (Zeigarnik Effect)، والذي ينص على أن الناس يتذكرون المهام غير المكتملة أو التي تمت مقاطعتها بشكل أفضل من المهام المكتملة، هذا يفسر لماذا تشعر بثقل شديد تجاه القرارات التي لم تحسمها هذا العام.


​التعامل مع هذه الملفات لا يتطلب بالضرورة إنجازها في الأيام المتبقية من العام، بل يتطلب “إغلاقاً معرفياً”.

يمكنك إغلاق دفتر جرد الحساب العاطفي ليس بالإنجاز، بل بـ “القرار الواعي”. قرر أنك قمت بتأجيل هذا الهدف للعام القادم، أو قرر أن هذا الهدف لم يعد يخدمك وقمت بإلغائه. مجرد اتخاذ قرار حاسم تجاه الملفات العالقة يرسل إشارة للدماغ بأن “المهمة انتهت” (حتى لو كانت النهاية هي الإلغاء)، مما يوقف استنزاف الطاقة الذهنية ويحررك من الشعور بالنقص.

جرد الحساب العاطفي
الناس يتذكرون المهام غير المكتملة بشكل أكبر عن المهام المكتملة

فن التقبل الجذري: احتضان “النسخة القديمة” منك


​عندما تنظر إلى قراراتك في بداية العام، قد تسخر من سذاجتك أو تلوم نفسك على قلة خبرتك حينها، ينبغي أن لا يكون ذلك مشكلة عند جرد الحساب العاطفي نهاية العام.

هنا يأتي دور “الشفقة بالذات” (Self-Compassion). يجب أن تدرك حقيقة بسيطة وعميقة: أنت اتخذت أفضل القرارات الممكنة بناءً على المعلومات، والوعي، والقدرة النفسية التي كنت تمتلكها في تلك اللحظة.


​محاكمة “أنت الماضي” بمعايير ووعي “أنت الحالي” هي ظلم صريح. الشخص الذي كنته قبل 12 شهراً كان يحاول النجاة، كان يتعلم، وربما كان يمر بظروف لا يراها أحد.

إغلاق دفتر جرد الحساب العاطفي بسلام يتطلب منك أن تعانق تلك النسخة القديمة من نفسك، تشكرها لأنها أوصلتك إلى هنا رغم كل العثرات، وتسامحها على بشريتها ونقصها. التقبل الجذري لما حدث هو الطريقة الوحيدة لكي لا يتحول الماضي إلى شبح يطارد مستقبلك.

جرد الحساب العاطفي
القسوة على الذات ليست طريقا لبلوغ الأهداف

​إعادة تعريف “الإنجاز”: الانتصارات الخفية


​في عالم مهووس بالإنتاجية المادية (أرقام، ترقيات، ممتلكات)، ننسى غالباً “الإنجازات النفسية” أو ما أسميه “الانتصارات الخفية”.
عند جرد الحساب العاطفي السنوي، لا تنظر فقط إلى قائمة المهام (To-Do List). اسأل نفسك:

  • ​كم مرة تمالكت أعصابك حين كنت تود الانفجار غضباً؟.
  • ​كم مرة اخترت الاستمرار رغم رغبتك في الاستسلام؟.
  • ​كم مرة قدمت الدعم لصديق وأنت نفسك بحاجة لمن يدعمك؟.
  • ​هل طورت مرونتك النفسية؟ هل أصبحت أكثر فهماً لذاتك؟.
  • هذه الانتصارات لا تُكتب في السير الذاتية، ولا تمنح عليها شهادات تقدير، لكنها هي التي تبني جوهر شخصيتك. قد يكون إنجازك الأكبر هذا العام هو أنك “نجوت” من فترة اكتئاب، أو أنك تعلمت كيف تقول “لا”. هذه إنجازات تستحق الاحتفاء لا الجلد.

الطقوس الختامية: التحرر والكتابة
​لتحويل هذه المفاهيم في جرد الحساب العاطفي إلى ممارسة، أنصحك بإجراء طقس كتابي بسيط لإغلاق العام:

  • ​قائمة الامتنان للدروس القاسية: اكتب 3 مواقف مؤلمة حدثت هذا العام، وأمام كل موقف اكتب: “شكراً لهذا الألم لأنه علمني أن…”. تحويل الألم إلى معنى هو أقوى وسيلة للتعافي.
  • ​رسالة التسامح: اكتب رسالة قصيرة لنفسك تعتذر فيها عن القسوة التي عاملت بها ذاتك، وعن الفترات التي أهملت فيها صحتك النفسية أو الجسدية.
  • ​صندوق “ما لا أتحكم به”: ارسم صندوقاً على الورق، واكتب بداخله كل الأشياء التي أقلقتك هذا العام ولكنها خارجة عن إرادتك (الأوضاع الاقتصادية، قرارات الآخرين..). انظر إليها وقل: “أنا أترك هذه الأحمال هنا، لن أحملها معي للعام الجديد”.

​الخاتمة: عام جديد بلا ديون عاطفية
​إن إغلاق الدفاتر النفسية السنوية وجرد الحساب العاطفي دون جلد للذات ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة للصحة النفسية والاستمرارية.

تذكر أنك لست آلة مُطالبة بالعمل بكفاءة 100% طوال الوقت، بل أنت كائن بشري ينمو من خلال التعثر، ويتشكل من خلال التجارب.


​دعونا نغلق هذا العام ونحن نهمس لأنفسنا: “لقد فعلت ما بوسعي، وهذا يكفي”. لا تدخل العام الجديد وأنت تجر خلفك أكياساً ثقيلة من الندم واللوم. اتركها هنا. خذ معك الدروس فقط، خذ معك الحب الذي منحته وتلقيته، وخذ معك الأمل. العام الجديد يستحق نسخة منك خفيفة الروح، متصالحة مع ماضيها، ومستعدة لاحتضان المجهول بشجاعة ولطف. كن لطيفاً مع نفسك، فهذا هو الإنجاز الوحيد الذي لا يصدأ أبداً.

بقلم 🖋
أبي عادل القاسم الجاك
اختصاصي ومعالج نفسي
رقم العيادة الاونلاين واتساب
00249116071234

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى