تقارير و مقالات

في خضم التكنولوجيا هل تصادر التقنيات الحديثة حريتنا؟

هذا الواقع لا يعفينا من المسؤولية و لكنه يفرض علينا وعيا مضاعفا
  • إننا نظن أنفسنا مُخيرين ونحن نعيش حياة الأسير بعادات رقمية لم نراجعها

هل الإنسان مسير أم مخير؟
يعتبر هذا سؤال من الأسئلة الوجودية والفلسفية ولكن ما مدى ارتباطه بالثورة الرقمية المتسارعة ؟.


سؤال لم يعد محصورا في كتب الفلسفة أو النقاشات الفكرية، بل أصبح بعضا من الحياة اليومية لكل من يستيقظ على صوت الإشعارات وينام على ضوء الشاشة.


التقنيات الحديثة في جوهرها أداة محايدة، غير أن طريقة تصميم المنصات الرقمية تجعل الإنسان في كثير من الأحيان أقرب إلى أسير التسيير منه إلى التخيير.


الخوارزميات تحدد ما نراه، والتنبيهات والإشعارات تقطع تركيزنا، ومحتوى يتدفق بلا توقف حتى يصبح اتخاذ القرار الواعي مرهقا ويحتاج إلى جهد ومقاومة نفسية.


هنا يحرم الإنسان من حريته مجبرا ويتنازل عنها تدريجيا دون أن يشعر.


التوازن الرقمي يعيد طرح هذا السؤال بعمق
هل نستخدم التقنيات الحديثة وفق حاجاتنا وقيمنا أم ننساق خلف إيقاعها المفروض؟.


حين يفتح الفرد هاتفه دون قصد واضح أو ينتقل بين التطبيقات بدافع الملل لا الهدف فإنه يمارس سلوكا تحركه العادة لا الإرادة.


أما حين يختار بوعي متى يستخدم التقنية ولماذا ؟ فإنه يستعيد موقعه كمخير مسؤول عن وقته وانتباهه.


تشير أبحاث علم النفس السلوكي إلى أن الدماغ البشري يستجيب للمكافآت الفورية التي توفرها المنصات الرقمية، مثل الإعجابات والتنبيهات مما يقلل من قدرتنا على ضبط الذات على المدى الطويل.


هذا الواقع لا يعفينا من المسؤولية و لكنه يفرض علينا وعيا مضاعفا، فالحرية في العصر الرقمي مع وجود التقنيات الحديثة لم تعد غياب القيود بل القدرة على إدارتها.


غياب التوازن الرقمي لا يؤدي فقط إلى الإرهاق الذهني، بل يؤدي الى خلق وهم الاختيار الوهمي، حيث يعتقد الفرد أنه حر في قراراته، بينما تتحكم الخوارزميات في اهتماماته وساعات يومه.


هنا يكمن الخطر الحقيقي، حيث إننا نظن أنفسنا مُخيرين ونحن نعيش حياة الأسير بعادات رقمية لم نراجعها.


إن استعادة التوازن تبدأ بخطوة بسيطة لكنها جوهرية من خلال سؤال انفسنا: لماذا أستخدم هذه المنصة؟ ماذا تضيف إلى حياتي؟ وما الذي أستفيد منها في المقابل؟.


حين نطرح هذه الأسئلة بصدق ننتقل من موقع الانقياد إلى موقع الاختيار.


في النهاية، الإنسان في العصر الرقمي وفي وجود التقنيات الحديثة ليس مسيرا بالكامل ولا مخيرا بكامل حريته، بل يقف في منطقة وسطى، يحددها وعيه وحدوده.


التوازن الرقمي هو الجسر الذي يعيد إلينا الحرية لا للانسحاب من التقنية بل باستخدامها بوعي يحفظ إنسانيتنا.

بواسطة
رشا المرضي
المصدر
خاص شبكة أسبالتا الإخبارية

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى