آيسكريم شوادن آيسكريم شوادن
الاقتصاد

هل يؤدي انهيار القوة الشرائية إلى توقف الأسواق؟ دروس اقتصادية من التاريخ

القوة الشرائية والانكماش الاقتصادي.. علاقة لا يمكن تجاهلها

هل يمكن أن يقود تقلص القوة الشرائية في أشد حالاته إلى توقف البيع؟
  • ما هي العلاقة بين القوة الشرائية وسوق العمل؟

كتب: محمد معتصم إبراهيم.

لا يمكن الحكم على صحة اقتصاد دولة ما لم يتم النظر إلى القوة الشرائية، فهي مقياس سلامة الاقتصاد ومعيار استطاعة الناس على الحصول على متطلبات حياتهم المهمة والكمالية.

استقرار الدخول واستقرار الأسعار على مستوى يناسب تلك الدخول يمنح الأشخاص القدرة على مواصلة الحصول على السلع والخدمات، الأمر الذي يديم حركة السوق والإنتاج والاستثمار.

ويحدث العكس عندما تنحدر القوة الشرائية، ولكن هل يتطور الأمر إلى توقف حركة البيع والشراء في الأسواق؟!.

يحدثنا التاريخ عن حالات تراجعت فيها القوة الشرائية نحو مستويات قياسية، فحدث ركود جسيم تسبب في إغلاق آلاف الشركات والمتاجر.

وبالرغم من ندرة توقف كافة أشكال النشاط الاقتصادي إلا أن الشلل يصيب بعض القطاعات على نحو بالغ، بسبب تراجع الطلب.

تقدم لنا النماذج التاريخية دروسا جيدة لإدراك الصلة بين القوة الشرائية وحركة الأسواق.

القوة الشرائية
عندما ترتفع الأسعار مقابل ثبات الأجور تتضاءل القوة الشرائية

كيف تؤثر القوة الشرائية على حركة الأسواق؟

يقصد بالقوة الشرائية كمية السلع والخدمات التي يستطيع الشخص الوصول إليها بدخله.

وبالطبع كلما ارتفعت الأسعار دون أن تقابلها زيادة موازية بنفس الحجم في الأجور تراجعت القدرة على الإنفاق، وزاد حجم العجز لدى الفرد.

انخفاض القوة الشرائية يرغم المستهلكين على إعادة ترتيب الأولويات، فيبدأون بتقليص الإنفاق على السلع غير الضرورية كالأثاثات والأجهزة الإلكترونية والسفر والترفيه وحتى الملابس.

ومع تفاقم الحالة بين الفئات المختلفة تتقلص المبيعات وتتباطأ الأسواق مسببا موجات انخفاض أرباح الشركات، والذي يقود بدوره إلى تقليص الإنتاج أو تقليل العمال أو حتى إغلاق بعد المنشآت.

كل ذلك يؤدي إلى دخول الاقتصاد في دائرة أبرز ملامحها انخفاض الدخول وتراجع الاستهلاك وبالتالي ضعف الاستثمار، وكل ذلك من عوامل تعقيد الأزمات الاقتصادية.

يؤكد الخبراء أن الاستهلاك المحلي هو الأساس الأول للنمو الاقتصادي، ولهذا فإن أي تراجع في القوة الشرائية يؤثر مباشرة في أداء السوق وحجم الإنتاج.

الكساد الكبير.. فقد فيه الملايين القدرة على الشراء

يشار دائما إلى الكساد الكبير الذي ظهرت ملامحه عام 1929 في الولايات المتحدة على أنه أبرز النماذج التاريخية على مدى قدرة تراجع الطلب على إلحاق الضرر بالاقتصاد.

انهارت أولا سوق الأسهم الأمريكية، وفقد ملايين الناس أعمالهم ومدخراتهم، فانحدرت مداخيل الأسر على نحو قياسي، ومع انخفاض القدرة على الشراء انتكست حركة المبيعات، وأقفلت آلاف الشركات والمصانع أبوابها.

لم يكن السبب الأساسي للأزمة نقص السلع ولا تراجع الإنتاج فقط، وإنما عزيت المشكلة الأكبر في العجز عن الإنفاق فبارت السلع.

سرعان ما وجدت الشركات أن مخازنها ممتلئة بالسلع والمنتجات دون وجود مشترين.

تسببت تلك الحالة في إجبار المستثمرين على خفض الإنتاج الصناعي وارتفعت تبعا لذلك معدلات البطالة، مما قاد إلى تعميق الأزمة.

نقرأ من خلال هذا النموذج أن ضعف الطلب الناتج عن تراجع القدرة الشرائية يمكن أن يحدث أزمة اقتصادية واسعة ومكتملة الأركان ما لم تتم معالجة ذلك بشكل سريع.

القوة الشرائية
تتأثر قطاعات كبيرة بضعف الطلب الاستهلاكي خلال الأزمات الاقتصادية

التضخم المفرط وتراجع قيمة العملة المحلية

في حالات بعينها لا ينتج انخفاض القوة الشرائية عن البطالة أو تراجع الدخول فقط، وإنما عن الارتفاع غير المعقول للأسعار.

حدث هذا النموذج في ألمانيا خلال عشرينات القرن الماضي، بل وحدث كذلك في دول أخرى مثل فنزويلا وزيمبابوي.

كانت الأسعار تطفر بوتيرة أسرع من نمو الأجور، ففقد الناس القدرة على شراء حتى الأساسيات.

عندما يستقيظ الناس صباحا فيجدون أن سعر سلعة ما اليوم أعلى بكثير عنه في الأمس فإن ثقتهم تتراجع في العملة المحلية، ويتردد المستهلكون والتجار على حد سواء في عمليات البيع والشراء.

حدث أن غيرت شركات أسعار معروضاتها عدة مرات في اليوم الواحد، وتسبب ذلك في اضطراب كبير.

في خضم هذه الأوضاع قد تتوقف بعض الأعمال مؤقتا بسبب عدم القدرة على تحديد الأسعار، أو بسبب ضعف الطلب الذي يسببه ضعف القدرة الشرائية.

القوة الشرائية والانكماش الاقتصادي.. علاقة لا يمكن تجاهلها

يعلم الجميع مدى ارتباط القوة الشرائية بمعدلات النمو، ومعادلته واضحة وهي (انخفاض القدرة على الإنفاق = تراجع إيرادات الشركات وانخفاض الاستثمارات وانعدام فرص العمل).

يقود ذلك حتما إلى الانكماش الاقتصادي، ومعناه أن الاقتصاد يدخل في مرحلة عنوانها انخفاض النشاط التجاري والإنتاجي.

في حالات قاتمة قد توقف شركات نشاطها بسبب انعدام الطلب.

لا بد من ذكر أن ضعف القوة الشرائية يضر بقطاعات معينة دون غيرها، حيث ينخفض الطلب إلى أدنى مستوياته على الكماليات والسيارات والعقارات والأجهزة المنزلية، في وقت يستمر فيه الطلب على الأساسيات كالغذاء والدواء.

من أجل ذلك يعتبر الاقتصاديون القوة الشرائية مؤشرا صادقا لقياس مستوى النشاط الاقتصادي.

القوة الشرائية
يدفع الكساد أصحاب العمل إلى التخلي عن العمال

هل يمكن أن يتوقف البيع نهائيا؟؟

لا يمكن الجزم بحدوث ذلك لأن حاجة الناس للغذاء والدواء والخدمات الأساسية لا تتوقف، غير أن قطاعات أخرى قد تصل إلى مرحلة الشلل إذا ما انحدرت القوة الشرائية بشكل حاد.

قد لا يشتري الناس العقارات أو السيارات الجديدة لفترات طويلة، في وقت لا تزال فيه متاجر الأغذية والصيدليات تعمل وإن كان ذلك بمعدلات أقل.

توضح الأمثلة أن الاقتصادات تتكيف غالبا مع مثل هذه الظروف فتظهر البدائل الأرخص وتتغير أنماط الاستهلاك، كشراء المنتج المحلي لا المستورد، أو استبدال جودة العلامات التجارية.

بسبب ذلك يختلف أثر تراجع القوة الشرائية من قطاع إلى آخر لكنه يظل مقياسا لمستوى النشاط الاقتصادي.

كيف يمكن استعادة النشاط الاقتصادي؟

لأجل معالجة ضعف القوة الشرائية لا بد من اعتماد حزمة سياسات ترفع من دخل الأشخاص وتحد من تنامي الأسعار، وأبرز هذه السياسات:

1/ مكافحة التضخم والعمل على استقرار الأسعار.

2/ تعزيز الناتج المحلي.

3/ خلق فرص العمل الجديدة.

4/ تحسين الأجور على ضوء مؤشرات تكاليف المعيشة.

5/ تشجيع الاستثمار وتحفيز الإنتاج.

تسهم هذه السياسات إذا ما تم تطبيقها في استعادة الثقة في الأسواق وتحسين القدرة على الإنفاق، مما ينشط بدوره التجارة ويرفع الإنتاج وصولا إلى النمو.

بواسطة
محمد معتصم إبراهيم
المصدر
خاص: aspalta News
اطلع على أحدث المقالات اضغط على الصورة للاطلاع على أحدث المقالات

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى