تقارير و مقالات

بين المد والجزر العاطفي: سيكولوجية "دورية المزاج" وأثرها الخفي على نسيج الحياة

​التشريح النفسي لدورية المزاج: أكثر من مجرد "تغيير جو"

إن العيش مع مزاج دوري يفرض ضريبة نفسية باهظة على الفرد
  • رغم قتامة الصورة التي قد تبدو عليها دورية المزاج، إلا أن علم النفس الحديث يقدم منظوراً أكثر تفاؤلاً

​تخيل أنك تعيش داخل منزل يتغير فيه الطقس دون سابق إنذار؛ ففي الصباح تشرق شمس الحماس والطاقة التي لا تنضب، وبحلول المساء أو بعد بضعة أيام، تهب عواصف الكآبة والخمول دون سبب ظاهري واضح. هذا ليس مجرد تقلب عابر، بل هو إيقاع بيولوجي ونفسي معقد يُعرف في علم النفس بـ “دورية المزاج” أو اضطراب المزاج الدوري (Cyclothymia).


​في عالمنا المعاصر الذي يقدس الاستقرار والإنتاجية المستمرة، يقف أصحاب دورية المزاج في مواجهة تحدٍ خفي، حيث يعيشون على أرجوحة عاطفية لا تتوقف، تتأرجح بهم بين قمم الابتهاج (Hypomania) وقيعان الاكتئاب الخفيف (Dysthymia). هذا المقال يغوص في أعماق هذه الظاهرة، ليس فقط لتشريحها طبياً، بل لفهم تداعياتها العميقة على بنية النفس البشرية والنسيج الاجتماعي للفرد.

​التشريح النفسي لدورية المزاج: أكثر من مجرد “تغيير جو”


​من الضروري كخطوة أولى التمييز بين التقلبات المزاجية الطبيعية التي يمر بها جميع البشر استجابة للمثيرات الخارجية، وبين “دورية المزاج” كسمة شخصية أو اضطراب نفسي. المزاج الدوري هو حالة مزمنة من عدم الاستقرار العاطفي، حيث يمر الفرد بنوبات متناوبة من الارتفاع المزاجي والانخفاض المزاجي، لكنها لا تصل في حدتها إلى نوبات الهوس الكامل أو الاكتئاب الجسيم كما في اضطراب ثنائي القطب (Bipolar Disorder).


​إن السمة الجوهرية هنا هي “عدم التنبؤ”. الفرد لا يملك السيطرة الكاملة على متى ستبدأ موجة النشاط ومتى ستنحسر، مما يخلق حالة من الترقب والقلق الداخلي. يرى علماء النفس أن هذه الدورية ليست مجرد خلل، بل هي جزء من التكوين البيولوجي للفرد، ترتبط بحساسية الجهاز العصبي وتنظيم النواقل العصبية (مثل السيروتونين والدوبامين) والساعة البيولوجية.

دورية المزاج
يقف أصحاب دورية المزاج في مواجهة تحد خفي

​الطيف المتناقض: بين “الهوس الخفيف” و”الاكتئاب البسيط”


​لفهم التأثير النفسي، يجب أن ننظر إلى وجهي العملة:

  • ​مرحلة الهوس الخفيف (Hypomania): يشعر الفرد بتدفق هائل للأفكار، ثقة مفرطة بالنفس، قلة الحاجة للنوم، ورغبة اجتماعية جامحة. قد يبدو الشخص في هذه المرحلة مبدعاً ومنتجاً للغاية، مما يجعله (ومن حوله) يعتقدون أن هذه هي “طبيعته الحقيقية”.

  • ​مرحلة الاكتئاب البسيط (Mild Depression): فجأة، تنفد الطاقة. يحل محل الحماس شعور باللاجدوى، التعب الجسدي، الانسحاب الاجتماعي، وصعوبة في التركيز. هذه المرحلة غالباً ما تكون مربكة لأنها قد تحدث دون حدث صادم يستدعي الحزن.

​الأثر النفسي الداخلي: صراع الهوية والإنهاك


​إن العيش مع مزاج دوري يفرض ضريبة نفسية باهظة على الفرد، تتجاوز مجرد الشعور بالحزن أو السعادة. هذا التأرجح المستمر يؤدي إلى تشوهات معرفية وتحديات وجودية عميقة:


​1. أزمة الهوية المستمرة (من أنا حقاً؟)
​واحدة من أعمق المعضلات التي يواجهها المتسمون بدورية المزاج هي عدم القدرة على تحديد هويتهم الحقيقية. يتساءل الفرد: “هل أنا الشخص الاجتماعي، الطموح، والمفعم بالحيوية الذي كنت عليه الأسبوع الماضي؟ أم أنا الشخص المنطوي، المتشائم، والكسول الذي أنا عليه اليوم؟”.


هذا التناقض يخلق فجوة في مفهوم الذات (Self-Concept). الفرد لا يستطيع الوثوق في مشاعره أو قراراته، لأنه يدرك في قرارة نفسه أن شعوره الحالي مؤقت وسيتغير قريباً، مما يؤدي إلى تردد مزمن وضعف في الثقة بالنفس.


​2. الإنهاك العاطفي (Emotional Burnout)
​محاولة الفرد المستمرة لضبط إيقاعه الداخلي ليتوافق مع متطلبات الحياة الخارجية تستهلك طاقة هائلة. في فترات الهبوط، يبذل جهداً مضاعفاً ليبدو “طبيعياً” ويؤدي مهامه، وفي فترات الصعود، قد يستنزف طاقته في مشاريع متعددة. النتيجة النهائية هي حالة من الإرهاق النفسي المزمن، ليس بسبب العمل، بل بسبب إدارة الذات.


​3. القلق الاستباقي
​حتى في لحظات السعادة والاستقرار، يظل هناك ظل خفي من القلق يلاحق الفرد: “متى سيسقط المزاج مرة أخرى؟”. هذا الترقب يفسد متعة اللحظات الجيدة ويجعل الفرد في حالة تأهب دفاعي دائم، خوفاً من العودة إلى دائرة الاكتئاب والانغلاق.

دورية المزاج
من الضرورة التمييز بين التقلبات الطبيعية ودورية المزاج

​التداعيات الاجتماعية: اختبار لصلابة العلاقات


​لا تقتصر آثار دورية المزاج على الفضاء الداخلي للفرد، بل تمتد كتموجات الماء لتؤثر على محيطه الاجتماعي والمهني. العلاقات الإنسانية تتطلب قدراً من “الثبات” و”التنبؤ” لتزدهر، وهو ما يفتقده الشخص الدوري بطبيعة الحال.

​أولاً: الاضطراب في العلاقات الزوجية والعاطفية
​الشريك العاطفي لشخص يعاني من دورية المزاج قد يجد نفسه في حالة من الارتباك الدائم.

  • ​سوء الفهم: في مرحلة الهوس الخفيف، قد يكون الشريك الدوري عاطفياً ومندفعاً ومحباً، ثم يتحول فجأة إلى شخص بارد ومنسحب في مرحلة الهبوط. يفسر الطرف الآخر هذا الانسحاب غالباً على أنه رفض شخصي أو تراجع في الحب، بينما هو في الحقيقة عجز بيولوجي عن التواصل.

  • ​العبء العاطفي: يضطر الشريك للمشي “على قشر البيض”، محاولاً قراءة مزاج الطرف الآخر لتجنب إثارة غضبه أو حزنه، مما يخلق علاقة غير متوازنة قائمة على الحذر بدلاً من العفوية.

​ثانياً: التأرجح في الأداء المهني
​في بيئة العمل الرسمية، تُعد “الاستمرارية” (Consistency) عملة نادرة ومطلوبة. الموظف ذو المزاج الدوري قد يواجه تحديات معقدة:

  • ​تذبذب الإنتاجية: قد ينجز عمل شهر كامل في أسبوع واحد أثناء فترة النشاط، ثم يعجز عن الرد على بريد إلكتروني بسيط في الأسبوع التالي. هذا النمط غير المتسق قد يُفسر من قبل الإدارة على أنه “مزالقية” أو عدم انضباط، مما يهدد مستقبله الوظيفي رغم كفاءته العالية وموهبته.

  • ​القرارات المندفعة: في فترات الارتفاع، قد يتخذ قرارات مهنية جريئة أو يقدم استقالته لبدء مشروع جديد، ليكتشف لاحقاً عندما ينحسر المد العاطفي أن القرار كان غير مدروس.
دورية المزاج
اضطراب المزاج الدوري حالة يشرحها علم النفس

​ثالثاً: العزلة الاجتماعية والوصمة
​غالباً ما يميل الأشخاص ذوو دورية المزاج إلى عزل أنفسهم في فترات الهبوط لتجنب إظهار ضعفهم أو لأنهم لا يملكون الطاقة لمسايرة المجاملات الاجتماعية. مع تكرار هذه الدورات، قد يقلص الأصدقاء والمعارف دعواتهم أو تواصلهم، معتقدين أن الشخص “متقلب” أو “مزاجي” بصورة سلبية، مما يعزز شعور الفرد بالوحدة والاغتراب.

​الإدارة النفسية: تحويل اللعنة إلى إيقاع


​رغم قتامة الصورة التي قد تبدو عليها دورية المزاج، إلا أن علم النفس الحديث يقدم منظوراً أكثر تفاؤلاً. الوعي بهذه الدورية هو نصف الحل، والنصف الآخر يكمن في استراتيجيات التكيف والعلاج. الهدف ليس “تسطيح” المشاعر تماماً، بل تقليل حدة القمم والقيعان لتصبح أمواجاً قابلة للركوب بدلاً من طوفان يغرق الذات.

​1. العلاج المعرفي السلوكي (CBT)
​يلعب العلاج النفسي دوراً محورياً في مساعدة الفرد على رصد أنماط تفكيره. يساعد الـ CBT في التمييز بين “الواقع” و”نظارة المزاج”. يتعلم الفرد أن أفكاره التشاؤمية أثناء الهبوط هي عرض للمزاج وليست حقائق مطلقة، وأن أفكاره العظمة أثناء الصعود تحتاج إلى كبح منطقي.

​2. تنظيم الإيقاع الاجتماعي والبيولوجي (IPSRT)
​تشير الدراسات إلى أن الموصوفين بدورية المزاج لديهم ساعات بيولوجية حساسة جداً. لذا، يُعد الحفاظ على روتين صارم للنوم والاستيقاظ، وتناول الوجبات في أوقات محددة، من أقوى “مثبتات المزاج” الطبيعية. الاستقرار الخارجي يساعد في خلق استقرار داخلي.

​3. الوعي الذاتي والمراقبة (Mood Tracking)
​استخدام تطبيقات أو مذكرات لتتبع المزاج يساعد الفرد على اكتشاف “محفزات” الدورة. هل يتغير المزاج مع تغير الفصول؟ مع قلة النوم؟ مع ضغط العمل؟ معرفة النمط المسبق تمنح الفرد شعوراً بالسيطرة وتسمح له بالتحضير لفترات الهبوط قبل وقوعها.

​4. دور البيئة الداعمة
​على المستوى الاجتماعي، يحتاج المجتمع والمقربون إلى فهم أن تقلب المزاج ليس “دلعاً” أو “سوء طبع”، بل هو حالة بيولوجية. الدعم العاطفي القائم على التفهم وليس الحكم يساعد الفرد على تجاوز فترات الهبوط بأقل الخسائر النفسية.

​خاتمة: الرقص مع الإيقاع
​في الختام، إن دورية المزاج، بكل ما تحمله من ثقل نفسي وتحديات اجتماعية، ليست حكماً بالفشل ولا وصمة عار. إنها تعكس طبيعة بشرية شديدة الحساسية والاستجابة. التاريخ يشهد أن العديد من الفنانين، الكتاب، والقادة كانوا يمتلكون هذه الطبيعة الدورية، حيث كان ألمهم وقوداً لإبداعهم، وحماسهم محركاً لإنجازاتهم.


​التحدي الحقيقي لا يكمن في محاولة إلغاء هذه الدورية، بل في فهم “طقس الذات”، وتعلم مهارات الملاحة النفسية التي تمكن الفرد من توجيه مركبه بسلام، سواء كان البحر هائجاً أو هادئاً. إن الرحلة نحو الاستقرار النفسي تبدأ بقبول الذات كما هي، متقلبة وحية، والعمل الدؤوب على بناء جسور من التفاهم بين الفرد ونفسه، وبينه وبين عالمه الاجتماعي.

بقلم 🖋
أبي عادل القاسم الجاك
اختصاصي ومعالج نفسي
رقم العيادة الاونلاين واتساب
00249116071234

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى