لماذا تجب المحافظة على وحدة السودان كضرورة وليس خيارا؟
وحدة السودان والتركيبة الإثنية: تحد أم فرصة؟
- لا ينتبه الكثيرون إلى أن أبرز مخاطر الانفصال فتحه باب النزاعات الحدودية
بقلم: علي عمر عبد العظيم.
كثيرا ما أضر التناول العاطفي لقضية وَحدة السودان بوجهها المُلح ومضمونها المهم في الساحة السياسية السودانية، فالقضية محورية تتعدى البعد الجغرافي لتمس جوهر الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد التي عانت طويلا من النزاعات ولم تحظ بفرصة حقيقية لتوجيه مواردها للتنمية.
في ظل التحديات الحالية التي تواجه الدولة السودانية، تظهر الحاجة العاجلة لإعادة التفكير بشكل عميق في ضرورة الحفاظ على كيان الدولة واحدا قويا وقادرا على النهوض، ومن الضرورة بمكان أن يستصحب هذا التفكير التجارب القاسية التي أثبتت أن التقسيم لا يقود بالضرورة إلى الاستقرار والازدهار والتقدم، وأن الوحدة هي الأقرب لذلك.
هذه المقالة منحازة لوَحدة السودان استنادا على تحليل نتائج الإنفصال، وطبيعة التركيبة الإثنية في البلاد التي كانت يوما أكبر بلدان أفريقيا مساحة وتنوعا، مع تقديم توصيات عملية قابلة للتطبيق للمحافظة على الدولة واحدة وقوية وراسخة البناء.
وَحدة السودان وتجربة انفصال الجنوب
عانى السودان من أطول نزاعات أفريقيا لينتهي بانفصال جنوب السودان الذي قدم تجربة قاسية ليس للوجدان السوداني فقط، وإنما للاقتصاد والمجتمع والتفكير السياسي.
عندما حدث انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم في عام 2011 اعتقد الكثيرون أن هذا الانفصال سيكون سببا مباشرا في وقف الصراعات طويلة الأمد وانطلاق مسيرة التنمية والسلام في البلدين، غير أن هذه التوقعات سرعان ما أثبتت مجانبتها للواقع.
سرعان ما تدحرج جنوب السودان إلى قاع الصراعات الداخلية التي أسالت الكثير من الدماء، والانهيارات الاقتصادية التي بددت أحلام الملايين من المواطنين، بجانب الانقسامات السياسية العميقة.
أما في الدولة الأم فلم يقد الانفصال إلى الاستقرار، وإنما دخلت البلاد في نفق التحديات الاقتصادية الكبيرة، بعد أن فقدت نصيبا وافرا من عائدات النفط التي ذهبت مع الدولة الوليدة.
واستمرت الصراعات في مناطق أخرى من السودان خاصة في إقليم دارفور الشاسع، والذي يضم عددا من الولايات، وإقليمي جبال النوبة والنيل الأزرق.
لقد أثبتت تجربة الانفصال فشلها الكبير في معالجة قضايا السودان، وأنها لم تكن الحل الجذري للمشاكل، بل أعادت إنتاج الأزمات بأشكال وأنماط مختلفة وفي مناطق أخرى.
وأثبتت التجربة الماثلة المرئية بوضوح كبير أن وَحدة السودان ليست خيارا عاطفيا يتبناه المواطنون، بل ضرورة استرتيجية لتجنب تكرار الفشل والانهيار والنزاعات.

تجارب الانفصال الفاشلة عالميا
لم تكن تجربة انفصال جنوب السودان استثناء، فتاريخ الشعوب مزدحما بأمثلة لانفصالات لم تحقق أيا من أهدافها، ففي مناطق متعددة من أفريقيا والعالم قاد التقسيم إلى ولادة دول هشة تعاني من ضعف المؤسسات وانتشار الصراعات والتدهور الاقتصادي المريع.
إننا لسنا في موقف عقد محاكمات تاريخية لتجارب الانفصال في العالم أو في السودان، وإنما من حق البشرية أن تسترشد بنتائج تجاربها، خاصة إن كانت تلك التجارب مكلفة وقاسية، فهي الأجدر بالنظر، واتخاذها نماذج للتعلم ومراجع للتفكير.
في بعض الأحوال تسبب الانفصال في نزاعات حدودية مستمرة، وفي حالات أخرى أنشأ حروبا أهلية بين الكيانات الجديدة ذاتها، وكلا الحالتين ممشهد في الواقع السوداني.
النماذج تثبت أن الانفصال غالبا ما يكون مدخلا لمشكلات أكثر تعقيدا وليس نهاية للمشكلات مثلما يعتقد البعض ويروج لاعتقاده.
يرينا ذلك أن المحافظة على وَحدة السودان هو ضرورة واقعية ومستدامة إذا ما قارناها بمخاطرة تكرار تجارب فاشلة لدينا منها النصيب الماثل.
وَحدة السودان والتركيبة الإثنية: تحد أم فرصة؟
التنوع الإثني والثقافي الكبير يضم مئات القبائل والمجموعات اللغوية والثقافية، ذات التاريخ المتداخل والذي كان قوامه التعايش والتعاون، وكذا التنازع والحروب، شأنه في ذلك شأن الملامح التاريخية لأي مجتمع بشري متجاور لا يجمعه جامع الدولة.
ينظر البعض إلى هذا التنوع على أنه عامل ضعف، غير أنه في الحقيقة يمكن أن يكون مصدر قوة إذا ما تمت إدارته على النحو السليم.
الحديث عن ضرورة وَحدة السودان لا تعني طمس هويات شعوبه وقبائله وتذويبها، وإنما تعني ضرورة الاعتراف بها ضمن إطار وطني جامع ومستقل لا تتنازعه أطر أخرى كعروبة أو أفريقانية، بل تتعايش في إطاره.
التجارب الدولية تشير إلى أن الدول القوية هي التي نجحت في تحويل التنوع إلى عنصر قوة وليس سببا في الانقسامات، ولدينا في ذلك مثالان سنستعرضهما لاحقا من خلال هذه المقالة، هما التجربة الأمريكية والتجربة الاتحادية في الاتحاد السوفيتي سابقا.
التحدي الحقيقي هو النجاح في إقامة نظام سياسي واجتماعي يعبر عن هذا التنوع، ويمنح جميع مكونات الشعب شعورا بالانتماء والمشاركة.
تجارب دولية في إدارة مسألة القوميات
تعد تجربتا الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في إدارة التنوع نموذجا مهما – رغم تباينهما- نسبة لقوة الدولتين ومساحتيهما الشاسعة، وذا هو سبب إيرادهما في سياق الحديث عن وَحدة السودان.

في الاتحاد السوفيتي الذي انهار لأسباب متعددة في عام 1990 ارتكزت الدولة على نظام اتحادي شكلي، منح الجمهوريات السوفيتية حق الحكم الذاتي، وكانت مرجعيات ذلك نظريات وتوصيات ورؤى دقيقة الصياغة والسند، إلا أن الدولة في الواقع فرضت مركزية صارمة وهيمنة إيديولوجية موحدة، الأمر الذي عده المراقبون كبتا للقوميات المختلفة والمتباينة اجتماعيا ودينيا وإثنيا بدلا من استيعابها.
تراجعت السلطة المركزية أواخر ثمانينات القرن الماضي، مما سمح بصحوة النزعات القومية مجددا، وهو ما أسهم في تفكك الاتحاد السوفيتي إلى جمهوريات مستقلة متعددة.
أما تجربة الولايات المتحدة الأمريكية فقد اعتمدت على نموذج فيدرالي مرن مرتكز على دستور يضمن الحقوق الفردية ونظام مؤسسي يسمح بتمثيل واسع، ويقوم على التوازن بين السلطات، وثقافة سياسية تشجع الاندماج، والمحافظة في ذات الوقت على الخصوصيات الثقافية للشعوب المكونة للمجتمع.
ومع أن تحديات العنصرية والتمييز ما زالت قائمة إلا أن النموذج الأمريكي أثبت قدرة أكبر على إدارة التنوع ضمن دولة واحدة مستقرة.

وَحدة السودان والتنمية الاقتصادية
برهنت التجربة أن الانفصال لا يهتك فقط النسيج الاجتماعي للدولة، وإنما يجر آثاره على الاقتصاد، الذي يمثل هما للشعوب وكثيرا ما كان سببا في الصراعات.
الدول المنقسمة تعاني في غالب الأحوال من ضعف الأسواق، وتشتت الموارد، وتراجع الاستثمارات التي هي عصب الاقتصاد.
وبالمقابل تمثل وَحدة السودان سوقا أكبر وتنوعا في الموارد وفرصة عظيمة للتكامل الاقتصادي بين الولايات أو الأقاليم.
تستطيع الدولة الموحدة المستقرة جذب رؤوس الأموار المستثمرة على نحو دائم، بذات القدرة التي تمكنها من بناء مشاريع استراتيجية كبرى ترفع من شأن البلاد ومواطنيها.
الحقيقة أن التنمية المستدامة يشترط لها وجود الاستقرار السياسي والجغرافي، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بالمحافظة على وحدة البلاد.
وَحدة السودان وأثرها على الأمن والاستقرار
لا ينتبه الكثيرون إلى أن أبرز مخاطر الانفصال فتحه باب النزاعات الحدودية والتي تمثل بذور نزاعات مستمرة قد لا يطول وقت انتظارها مخبوة تحت غطاء نشوة انتصار الانفصاليين لتوجهاتهم.
لا شك في أن الانفصال يضعف قدرة الدولة على ضبط الأمن، أما في حالة السودان فإن أي انقسام جديد سيقود حتما إلى صراعات طويلة خاصة في المناطق ذات التداخل السكاني.
هذه الصراعات يمكن أن لا تندلع أبدا في ظل الوحدة المرتكزة على المساواة والقانون، ولهذا فإن وحدة السودان تمثل ضامنا للاستقرار، ومانعا لتحول البلاد إلى بؤر متناحرة يصعب أن يجمعها جامع أو أن تفض بينها أي مبادرات ووساطات.
الدولة الموحدة تكون عادة أكثر قدرة على بناء المؤسسات الأمنية القوية والفعالة القادرة على ضبط الأمن وفق القانون.
ما هي واجبات السودانيين من أجل تعزيز وَحدة السودان؟
1/ بناء عقد اجتماعي جديد:
لا بد من صياغة عقد اجتماعي يعترف بالتنوع ويحقق العدالة والمساواة بين جميع المواطنين سياسيا وإثنيا، وهذا هو أساس وَحدة السودان الذي يمنح الشعور بالانتماء بل والاندفاع نحو المشاركة والتضحية.
2/ تبني النظام اللامركزي:
يشار دائما إلى أن اللامركزية هي النظام الأكثر فعالية لإدارة التنوع، فهي تمنح الولايات أو الأقاليم صلاحيات واسعة لإدارة أمورها دون تعرض لوحدة الدولة، ويعد هذا النظام هو الأقدر على القضاء على دعاوى التهميش، والتي ترفعها الجماعات المسلحة في وجه الدولة.
3/ تحقيق العدالة الانتقالية:
تاريخ النزاعات في السودان أفرز جراحا ومظالم يجب أن تتم معالجتها حتى يتم العبور إلى وحدة حقيقية، إذ يجب تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم وتعويض المتضررين والمنكوبين.
4/ دعم الهوية الوطنية الجامعة:
عبر إصلاح الإعلام والتعليم، وإسنادهما إلى المختصين مع وضع استراتيجيات وطنية لهما يمكنهما لعب دور مهم في ترسيخ مفهوم وَحدة السودان، تركيزا على القيم المشتركة بدلا عن تضخيم الفوارق، وتحفيزا للخضوع لدولة القانون بدلا عن تشجيع أو التعامي عن الفوضى.
5/ التنمية المتوازنة في السودان:
مع أن السودان ككل يعاني فجوة تنموية كبيرة بفعل الحروب وعدم الاستقرار السياسي إلا أن ذلك لا يمنع من تأسيس قاعدة أن التفاوت التنموي يعد من أبرز أسباب النزاعات الداخلية، لذلك فإن تحقيق التنمية المتوازنة يعزز وَحدة السودان.
وَحدة السودان كخيار استراتيجي مستقبلي
على ضوء تجارب الدولة السودانية يتبين أن الانفصال ليس هو الحل السحري للمشاكل، بل هو بداية أزمات جديدة، أما وَحدة السودان فهي الإطار الذي يمكن من خلاله معالجة التحديات بشكل دائم.
الحفاظ على وَحدة السودان يتطلب إرادة سياسية حقيقية وصدقا وأمانة ورؤية بعيدة المدى، ومشاركة فعالة من جميع مكونات المجتمع السوداني.
ويتطلب الحفاظ على وحدة البلاد تجاوز خطابات الانقسام وتجريم الخطابات الجهوية التقسيمية والاستقطاب القبلي مع العمل على بناء الدولة.