القوة الناعمة في العلاقات الدولية: كيف تصنع الدول نفوذها دون استخدام القوة؟
تحديات تواجه القوة الناعمة في العلاقات الدولية
- نشاهد دولا تقدم المساعدات الإنسانية بسخاء لسكان الدول الأخرى المتأثرين بكوارث الحروب والكوارث الطبيعية إمعانا في بناء صورة إيجابية للدول
بقلم: علي عمر عبد العظيم.
نظرة واحدة إلى العالم اليوم تشي بأن النفوذ الدولي لا يتحقق فقط بالقوتين الاقتصادية والعسكرية، وهنا يبرز مفهوم القوة الناعمة في العلاقات الدولية كأداة استراتيجية قائمة على الجذب والتحبيب والاقناع عوضا عن الإكراه وبسط السطوة.
تسعى الدول في عالم اليوم إلى السيطرة على العقول والقلوب قبل السيطرة على الموارد والأراضي، ويرجع السبب في ذلك إلى قدرات التأثير الإعلامي والثقافي الأكثر استدامة والأقل تكلفة من استخدام الأدوات العسكرية.
القوة الناعمة في العلاقات الدولية تظهر لنا تغيرا كبيرا في تحليل وفهم العلاقات الدولية، حيث يعتمد المحللون لقياس النفوذ على مدى التأثير في سلوك الآخرين الطوعي، ويجعل ذلك القوة الناعمة ركيزة أساسية من ركائز السياسة الخارجية الحديثة.

مفهوم القوة الناعمة في العلاقات الدولية وأهم عناصرها
فحوى مصطلح القوة الناعمة في العلاقات الدولية هو القدرة على التأثير في الآخرين عبر مجموعة ملفات هي:
1/ الجاذبية الثقافية.
2/ القيم السياسية.
3/ السياسات الخارجية ذات القبول والتقدير.
تعتمد هذه القوة على عناصر أساسية ثلاثة هي:
1/ الثقافة والفنون:
ونعلم قدرة الفنون واللغة والموسيقى والسينما على نقل الصور الإيجابية عن الدولة والمجتمع.
2/ القيم السياسية:
وهي مجموعة قيم مثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة تعزز الصورة الذهنية للدولة في الخارج.
3/ السياسات الخارجية:
والتي يتوجب أن تكون أخلاقية ومتناسقة ومدعاة لكسب ثقة الآخرين في المجتمع الدولي.
هذه العناصر تشكل مجتمعة صورة جيدة للدولة في الخارج، ويدعم ذلك قدرة القوة الناعمة في العلاقات الدولية في تحقيق الأهداف.
أدوات القوة الناعمة في العلاقات الدولية وتأثيرها عالميا
أدوات القوة الناعمة في العلاقات الدولية متنوعة، تشمل الإعلام والتعليم والدبلوماسية الثقافية والمساعدات الإنسانية.
وهنا نطرح مثالا: قيام دولة بإنشاء جامعات دولية أو تقديم منح دراسية للطلاب الأجانب، تستطيع من خلال ذلك خلق روابط قوية وطويلة المدى مع نخب المستقبل في تلك الدول.
نذكر هنا أن وسائل الإعلام تقوم بتشكيل الرأي العام العالمي وتعديله، وتعمل كذلك على نقل النثقافة والقيم، شأنها في ذلك شأن الفعاليات الدولية والمعارض والبطولات الرياضية التي تمثل فرصا ذهبية لتقديم صورة الدولة إلى المحيط الإقليمي والدولي.
عبر هذه الأدوات تعمل الدولة على توسيع نفوذها بطريقة غير مباشرة ومغايرة لما كان سائدا في العصور السابقة، وفي ذلك برهان على فاعلية القوة الناعمة في العلاقات الدولية مقارنة بالقوة التقليدية.
هل تنجح فعلا القوة الناعمة في العلاقات الدولية؟
في عالمنا اليوم توجد أمثلة متعددة على نجاحات واضحة لاستخدام القوة الناعمة في العلاقات الدولية وصولا إلى تحقيق نفوذ واسع.
اتكالا على التخطيط والإنفاق استثمرت دول عديدة كالولايات المتحدة الأمريكية والهند في الترويج للثقافة من خلال صناعة السينما والموسيقى.
لقد عملت أفلام هوليوود منذ منتصف القرن الماضي في ترسيخ صورة نمطية عن الولايات المتحدة، مما جذب قلوب الكثيرين مع الثقافة الأمريكية وسهل من تقبل سياساتها الخارجية في بعض الأحيان.
ورسخ انتشار الأفلام التي يظهر فيها أبطال خارقون صورة الولايات المتحدة ك “قوة عالمية منقذة وتحمل القيم النبيلة في مواجهة الأشرار”.
وتسببت السينما في التعريف بكوريا الجنوبية على مستوى العالم مما انعكس على النشاط السياحي فيها وحسن صورتها.
ولعقود طويلة ظلت السينما المصرية تؤثر على اللهجات والموسيقى والموضة والذوق العام في الكثير من الدول.
واستخدمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة جهاز السينما لتوزيع أفلام دعائية تجسد صراع الإيديولوجيا، مما ساعد على بناء انحيازات شعبية على مستوى العالم.
وفي جانب الإعلام فقد قادت تغطية الإعلام الأمريكي للحرب في فيتنام إلى تشكيل ضغط شعبي أدى إلى إيقافها.
ويمكننا رؤية دولا تستثمر في مجالات البحث العلمي والتعليم وتجتذب بالفعل عقولا مبدعة من دول أخرى، مما يقوي من مكانتها دوليا.
ونشاهد دولا تقدم المساعدات الإنسانية بسخاء لسكان الدول الأخرى المتأثرين بكوارث الحروب والكوارث الطبيعية إمعانا في بناء صورة إيجابية للدولة.

أما من الناحية الثقافية فنجد أن موسيقى الجاز جرى استخدامها دبلوماسيا في الستينات من قبل الولايات المتحدة بهدف تحسين صورتها في أفريقيا وآسيا، كما تستخدم اليوم موسيقى ” كي بوب” كأداة ثقافية دبلوماسية لكوريا الجنوبية.
كما رسمت روايات نجيب محفوظ صورة ذهنية لمصر وكذا فعل الأدب الروسي في تحسين صورة البلاد ثقافيا.
ونشاهد تأثير المطبخ الياباني “سوشي” وكذا المطبخ التركي، وتأثير الرياضة كسفارة بين الشعوب.
الأمثلة المذكورة آنفا تؤكد أن القوة الناعمة في العلاقات الدولية تمارس فعليا على الواقع وليست مجرد مفاهيم نظرية يتداولها المختصون والمحللون.
تحديات تواجه القوة الناعمة في العلاقات الدولية
تواجه القوة الناعمة في العلاقات الدولية -رغم أهميتها- تحديات عديدة أولها فقدان المصداقية، إذ تتشوه صورة الدولة إذا أظهرت سياسات تتعارض مع الصورة التي تروج لها، كأن تدعي الحياد في أزمة ما ويتضح بالدليل مشاركتها بدعم أحد طرفي الأزمة.
ويجعل التنافس الدولي المستمر المحافظة على التأثيرات لفترة طويلة أمرا صعبا، إضافة إلى إمكانية انتشار المعلومات السلبية بشكل أسرع بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، ويضعف ذلك تأثير القوة الناعمة.
لهذا يتطلب الحفاظ على تأثيرات القوة الناعمة في العلاقات الدولية خطة متناسقة ومتكاملة تؤسس على الشفافية والصدق.
العلاقة بين القوتين الناعمة والصلبة في العلاقات الدولية
تتكامل العلاقة بين القوة الصلبة والقوة الناعمة في العلاقات الدولية على نحو لا يمكن معه فصلهما عن بعضهما البعض، وتلجأ الدول إلى استخدام القوة الصلبة عند الضرورات، فيما تعتمد على القوة الناعمة بغية بناء علاقات عميقة وطيلة الأمد.
النجاح في خلق هذا التوازن يعني النجاح في تحقيق الأهداف الاستراتيجية دون إثارة التوترات والحروب.
هنا نتأكد أن القوة الناعمة في العلاقات الدولية لا تعني الاستغناء عن بناء القوة العسكرية أو القوة الاقتصادية، وإنما تعزز القوتين.

مستقبل القوة الناعمة في العلاقات الدولية
مع التسارع الواضح في التقارب الدولي يتوقع أن ترتفع أسهم القوة الناعمة في العلاقات الدولية في المستقبل، يدعم هذا التوقع حجم التأثير الثقافي والإعلامي المدعوم بالتكنولوجيا الحديثة، ويمكن ذلك الدول إمكانية غير محدودة وبصورة غير مسبوقة للوصول إلى الجمهور في كل مكان خارج الدولة.
ويدعم التوقعَ أيضا حقيقةُ أن الأجيال الجديدة أصبحت أكثر تأثرا بالقيم والثقافات العالمية، ويقوي ذلك من دور القوة الناعمة في تشكيل العلاقات بين الدول.
وبالرغم من ذلك فإن النجاح في هذا المضمار لا يتأتى دون استراتيجيات مبتكرة تستجيب للمتغيرات السريعة.
بذا نخلص إلى أن القوة الناعمة في العلاقات الدولية ستظل عنصرا أساسيا في تحديد مكانة الدول في المجتمع الدولي.
ختاما:
يمكننا التأكيد على أن القوة الناعمة في العلاقات الدولية هي أهم أدوات تحقيق النفوذ الدولي في العصر الحديث، إذ تمكن الدول من الوصول إلى أهدافها الاستراتيجية بطريقة سلمية ومستدامة وتحسن من صورتها عالميا.
وبالرغم من أن بعض الحكام ينظرون إلى الإعلام والثقافة والفنون باعتبرها من الثانويات ضئيلة التأثير تستثمر دول أخرى في الثقافة والتعليم والقيم الإنسانية ليس لتعزيز نفوذها الدولي فحسب وإنما لبناء عالم أكثر تعاونا واستقرارا.
يؤكد ذلك أن الدول التي تعرف أهمية القوة الناعمة في العلاقات الدولية وتعمل على تطويرها ستكون الأكثر تأثيرا على العالم في المستقبل.