باندغيو في شرق السودان بين عطاء الأرض ووعود التنمية
الطريق إلى باندغيو: بُعد الشقة وثراء المكان
- يعمل الناس في الزراعة وتربية الحيوان وتعمل الحكومة على تطوير الخدمات واستدامتها
كتب: نزار عبد الله بشير.
على أرضٍ سهليةٍ زراعية سوداء هي من أثمنِ كُنوزِ السودان تمتد باندغيو بقُراها ومزارعها التقليدية المسماة “البِلدات” جنوب ولاية القضارف إلى الحدود الدولية مع إثيوبيا، ولها في النأي باعٌ سببُه تقطعُ السبل خريفاً ووعورتها صيفا.
كثيرا ما احتضن مواطنو باندغيو الأمل في إنشاء طريق يربط مناطقهم في “محلية القلابات الغربية” بعاصمة الولاية مدينة القضارف، وهو الحلم الذي كاد أن يكتمل لولا توقف المشروع.
على امتداد الطريق إلى باندغيو تترامى أعظم مناطق السودان إنتاجا، عاذها التخطيط المثمر، والاستثمار الحقيقي في الأرض والموارد البشرية والطبيعية، فهنا تهطل الأمطار بغزارة بداية من يوليو إلى أواخر سبتمبر فتغدو الأرض موحلة تتخللها الأودية “الخيران” الجارفة شديدة الاندفاع.
وتكتسي الأرض بخضرة الحشائش الحولية والمزروعات على امتداد البصر، لتغدو خلال أيام من أجمل المناطق التي تنظرها العين، وتتلقفها القلوب.
الطريق إلى باندغيو: بُعد الشقة وثراء المكان
آخر المعالم التي يمكن أن يراها الراكب من القضارف نحو باندغيو هي صومعة القضارف للغلال التي بنيت في عام 1967م، وهي الأكبر في الشرق الأوسط وثاني أكبر صومعة غلال في أفريقيا بطاقة تخزين تبلغ 100,000 طن.
مرت السيارة ب “ود الحوري” التي كانت تضم قبل نحو 28 عاما أضخم ورش هيئة الزراعة الآلية، ومحلجا كبيرا للقطن المطري، بجانب كونها محطة مهمة للسكة الحديد مر بها القطار المتجه إلى سنار قبل نحو 37 عاما.
وبعد ساعات بلغت المركبة منطقة سَمسَم التي كانت تضم في السابق أكبر ورش الزراعة الآلية والإرشاد الزراعي، بجانب محطة لإكثار البذور، وهي منطقة قريبة من المشروع الكندي الذي كان فتحا استثماريا كبيرا في مجال التقانة والميكنة الزراعية.
وبعد نحو 6 ساعات كنَّا في باندغيو إحدى أثرى بقاع السودان بالإمكانات الزراعية، والثروة الحيوانية، حيث يعمل السكانُ في الزراعة الاكتفائية، وتستثمر شركات كبيرة عن طريق زراعة مشاريع مساحتها 1500 فدان.

تجري جهود حكومية منذ سنوات لأجل دعم الإنتاج الزراعي في المنطقة، ورفع كفاءة المزارعين خاصة صغار المزارعين، ولا تقتصر الجهود على الحكومة، إذ توجد منظمات تعمل على ترقية الإنتاج ورفع مستوى دخل الفرد بتكوين جمعيات الإنتاج.
التحديات الصحية في باندغيو
تفشى في العقود الأخيرة مرض اللشمانيا الحشوي “الكلازار” الذي تنقله “الذبابة الرملية” في باندغيو، وهو من التحديات التي واجهت السلطات الصحية خلال السنوات الأخيرة خاصة مع نقص بنيات الرعاية الصحية في المنطقة وصعوبة الوصول.
ويزيد من معاناة سكان المنطقة تعرضها سنويا للسُيول الموسمية الناتجة عن الأمطار الغزيرة التي تهطل في المنطقة، وتُلحق الأضرار بالمزارع والقرى المبنية بالمواد المحلية “القش والقصب”، فيما يعرف ب “القطاطي والصُرفان”.
تتضاعف سنويا المعاناة بسبب جرف السيول للطرق والتي تكون في غالبيتها “ردميات” من التراب الأحمر تعمل السلطات على صيانتها متى ما تعرضت للانخفاض أو الانجراف، حفاظا على مستوى معقول من الوصول.
خلال سنوات ماضية غرقت قرى في المنطقة في مياه السيول، مما عرَّض سكانَها للعزلة والإصابة بالملاريا، إحدى أكثر الأمراض استيطانا في شرق السودان.

الخدمات الأساسية في باندغيو
التحديات الخدمية في باندغيو هي أبرز ما تعمل الحكومة الولائية على مواجهته، حيث تعمل على ترقية الخدمات الصحية بالمنطقة، والتي تخدم عشرات القرى، وتزداد أهميتها خلال موسم هطول الأمطار، عندما يكون التنقل صعبا والوقت ثمينا.
وتعمل الحكومة كذلك على ربط القرى بالطرق “الردميات” لتسهيل حركة المواطنين ونقل منتجاتهم بسهولة ويسر، غير أن الكثير ما زال ينتظر المسؤولين للوصول بالخدمات الأساسية إلى مستوى مثالي.

مستقبل باندغيو من واقع الإمكانات البشرية والطبيعية
بالإمكان أن تزدهر باندغيو في المستقبل القريب بوجود الطرق المعبدة، سيسهم ذلك كثيرا في ربط مناطق الإنتاج بأكبر أسواق المحاصيل بمدينة القضارف، كما يمكن أن تتم دراسة أوجه الاستثمار في المنطقة لتضمين نسخة حديثة منها في خارطة الاستثمار الولائية.
ويمكن كذلك أن يتنوع الإنتاج الزراعي الاستثماري في المنطقة الخصبة من حيث نوعية المزروعات والإنتاج الحيواني القابل للتطوير والتنمية.
ستسهم تنمية المناطق الحدودية في توفير واستدامة الأمن وتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية والبشرية التي تتمتع بها تلك المناطق.
قريبا من باندغيو يمكن تطوير القطاع البستاني في “أم كراع”، الثرية بأنواع الفواكه، ورفع كفاءة المنتجين بوجود الخطط المثمرة والرغبة القوية في إنفاذها.
تظل المناطق الشاسعة جنوب القضارف من أكثر المناطق تعطشا للاستثمار الحقيقي والمدروس والداعم لإنسان المنطقة ودخل الدولة القومي، لما تتمتع به من إمكانات كبيرة خاصة في مجالات الزراعة المطرية وتربية الحيوان.