السرقة لدى الأطفال: ماذا تفعل إذا اكتشفت أن ابنك قد سرق؟!
أساليب فعالة لعلاج السرقة لدى الأطفال
- تثير السرقة لدى الأطفال القلق عندما تكون متكررة ويرافقها الكذب أو العنف
كتبت: د. نجلاء عبد المحمود.
إذا ما اكتشف الأبوان أن طفلهما قد أخذ شيئا لا يخصه تحدث الصدمة والغضب، حيث تعتبر السرقة لدى الأطفال من أكثر السلوكيات إثارة للخوف والقلق في الأسرة، باعتبار أن السرقة تشرخ القيم الأخلاقية وتهدم مبدأ التربية من الأساس.
في بعض الأسر نجد أن العقاب القاسي ينصب على الطفل السارق، أو أنه يخضع للتوبيخ العنيف ظنا منهم أن ذلك هو الحل الأسرع، وكثيرا ما يكون ذلك في دائرة رد الفعل.
الحقيقة أن التربويين وعلم النفس يشير كلاهما إلى أن السرقة لدى الأطفال لا تشي دائما بأن الطفل سيئ، أو أنه انحرف بالفعل، وإنما قد يكون ما بدر منه رسالة نفسية أو تمظهرا لمشكلة عاطفية أو اجتماعية أو تربوية يعانيها الطفل المعاقب.
في أحيان كثيرة يكون التصرف الخطأ تجاه المشكلة أداة لتفاقمها وتحولها إلى عادة مع الزمن.
هذه المقالة تتناول تفصيلا الأسباب النفسية وراء السرقة لدى الأطفال، وتقدم أسلوبا لتحليل هذا التصرف بشكل صحيح، كما تستعرض أبرز الأساليب التربوية الفعالة لمعالجة المشكلة وصولا إلى بناء شخصية سوية يطمح إليها الوالدان.

ماذا نقصد ب “السرقة لدى الأطفال”؟
نقصد بعبارة “السرقة لدى الأطفال” إقدام الطفل على أخذ شيء ليس بملكه في غفلة من صاحبه.
قد يكون ما يأخذه الطفل نقودا، أو أدوات مدرسية، أو ألعابا أو غير ذلك، وربما يحدث أن يسرق الطفل مرة واحدة بدافع الفضول، وربما تكرر الفعل لأسباب تربوية ونفسية عميقة ومتشعبة.
هنا يتوجب علينا النظر في المراحل السنية، فالطفل الصغير جدا لا يعرف معنى الملكية الخاصة، وأن هذا الشيء يخصني وذاك يخص غيري، ولكن يصبح هذا السلوك خطرا جدا عندما يصدر عن طفل أكبر سنا يتوفر لديه الإدراك الكافي لفهم الملكية الخاصة.
الأسباب النفسية وراء السرقة لدى الأطفال
يحصي التربويون جملة من الأسباب النفسية التي تعود إليها السرقة لدى الأطفال، وتشمل:
1/ الحرمان العاطفي الذي يعد السبب الأبرز لهذا السلوك، حيث يحاول الطفل عبره تعويض نقص الاهتمام والحب، ويفسر ذلك أحيانا باهتمام الطفل بلفت الانتباه او التعبير عن الرفض أكثر من اهتمامه بالحصول على الشيء الذي سرقه.
إنه يلجأ إلى تصرف صادم ومدو حتى يلزم الأسرة بالانتباه، خاصة في أوساط الأسر التي تعاني مشكلات الإهمال والشجار بين الأبوين أو عدم الانتباه للأطفال.
2/ المحاكاة هي سبب ثان من أسباب السرقة لدى الأطفال، فالأطفال يتعلمون بالقدوة والنمذجة سواء كانت سلبية أو إيجابية أكثر من تعلمهم عبر التوجيهات.
قد يسرق الطفل تقليدا لشخص في محيطه، وقد يكون أحد الوالدين أو الأصدقاء أو شخصية تظهر على التلفاز أو الإنترنت.
بمجرد مشاهدة الطفل لشخص يأخذ أموال الغير بلا عقوبة أو يسمع تبريرات للسرقة فإنه قد ينحو ناحية تقليد الفعل المذموم في الواقع.
لا ننسى بأن بيئة المدرسة أو مكان السكن قد تؤثران بشكل بالغ على الطفل في هذا المنحى.
3/ الرغبة في إثبات الشخصية سبب آخر من أسباب السرقة لدى الأطفال، فهم قد يسلكون هذا السلوك رغبة منهم في إثبات ذواتهم، أو ذكائهم، فتكون العملية عبارة عن مغامرة مرتبطة في كثير من الأحيان باهتزاز الثقة بالنفس.
ندرك ذلك عندما نرى طفلا يحضر أشياء ليس بمقدوره شرائها.
4/ ومن أسباب السرقة لدى الأطفال التمييز بين الأبناء في المعاملة، وهذه تشعر الطفل أنه لا يجد الاهتمام والثناء والحوافز التي يجدها أخاه، ويولد ذلك الغيرة والحقد مما يجعلهم يسرق بدافع الانتقام.
5/ الحرمان المادي والدلال الزائد يشكلان سببا من أسباب السرقة لدى الأطفال، فالفقر المدقع أو التدليل الزائد تكمن فيهما المشكلة.
الطفل المحروم قد يجد السرقة سبيلا للحصول على ما يريد، في وقت قد يلجأ الطفل المدلل إلى السرقة لأنه تعود على تلبية حاجاته فورا.
6/ قد تكون الاضطرابات النفسية والسلوكية سببا من أسباب هذا السلوك.
ترتبط مثل هذه التصرفات في أحيان كثيرة باضطرابات نفسية كالاكتئاب والقلق واضطراب السلوك واضطراب فرط الحركة.
ويؤكد العلماء وجود حالة نفسية تعرف ب “هوس السرقة” تجبر الشخص على السرقة دون حاجة فعلية للمسروقات.
في هذه الحالة الأخيرة يتوجب تدخل المعالج النفسي المتخصص.

كيف نحلل السرقة لدى الأطفال بصورة صحيحة؟
علينا أن نفهم الدوافع قبل العقاب، فمن الخطأ التركيز على العقوبة دون الاجتهاد في معرفة أسباب السرقة لدى الأطفال.
الطفل لا يسلك مسلكا بالمصادفة، حيث يشير كل تصرف إلى أمر معين.
سيكون مهما أن يتساءل الأبوان، لماذا سرق؟ وماذا سرق؟، ومتى بدأ يسرق؟، وهل هناك مشكلة في المدرسة؟، هل يشعر بالإهمال أو الغيرة؟ هل هو ضحية للتنمر؟.
عندما ندرك الأسباب نصل مباشرة إلى الحلول الأنسب للمشكلات، لأن الغضب لا يحل مشكلة وقد يعمقها.
مراقبة التغيرات السلوكية
إذا علم الأبوان بأن طفلهما بدأ بالسرقة على نحو مفاجئ فعليهما تركيز الانتباه إلى تغيرات أخرى كالانعزال، والعدوانية، والكذب، وتراجع مستوى التحصيل المدرسي، القلق.
بمراقبتنا لهذه الأمور قد نصل إلى اكتشاف أزمة نفسية أعمق، بسببها يحتاج الطفل للدعم لا الضرب.
أخطاء تربوية تزيد السرقة لدى الأطفال
الضرب لا يعالج السرقة لدى الأطفال، وإنما قد يدفع الطفل إلى الكذب والعناد.
قد يشعر الطفل الذي يتعرض للضرب والإهانة بأنه سيئ فعلا فيواصل تكرار السلوك الذي ضرب لأجله، لتكون النتيجة عكسية تماما.
كما أنه من الخطأ الجسيم وصف الطفل ب “السارق” أو غيرها من الأوصاف المؤثرة، لأن الطفل قد يربط هويته بهذه الصفات، ويدخل في روعه أنه لا يستطيع تغيير نفسه.
يوصي التربويون بأن يتم ذم السلوك ورفضت مع التأكيد على قدرة الطفل على التغيير.
وينبه الخبراء دائما إلى أن المقارنة بين الأطفال تسبب الغل والغيرة وتزيد احتمالات السرقة لدى الأطفال.
أساليب فعالة لعلاج السرقة لدى الأطفال
يوصى بأن تكون أولى الخطوات هي الحوار الهادئ بلا صراخ، يجب أن يشعر الطفل بالأمان حتى يقر بالحقيقة دون ضغط.
علينا أن نفهم أن الحوار هو أسهل طرق فهم الدوافع النفسية للسلوك، كما أنه يقوي الثقة بين الطفل ووالديه.
علينا التركيز على شرح مفهوم الملكية والحقوق للأطفال، حتى يتعلم الطفل حدوده وعدم التعدي على ممتلكات غيره.
يمكننا التمثيل لذلك من خلال المواقف اليومية والقصص الهادفة.
ويتوجب على الوالدين تعليم طفلهما الاستئذان قبل أخذ أي شيء من المنزل، مع تعزيز ثقته بنفسه عن طريق تشجيعه والإشادة بالسلوك الجيد لديه ومنحه مسؤوليات تناسب سنه ودعمه في هواياته والاهتمام به عاطفيا.
علينا أن نقضي أوقات يومية مع الأطفال للاستماع إليهم، ووضع قواعد الأمانة وتوضيح عواقب التصرفات الخطأ.
ويجب أن يتحمل الطفل مسؤولية السرقه بإلزامه بإعادة الشيء المسروق والاعتذار، بدلا من الاكتفاء بالعقوبة.
متى تصبح السرقة لدى الأطفال خطرة؟
تثير السرقة لدى الأطفال القلق عندما تكون متكررة ويرافقها الكذب أو العنف، أو تقع رغم التوجيه بعدم تكرار السلوك.
وتكون السرقة لدى الأطفال خطرة إذا ما سرق أشياء غالية كالمجوهرات والأموال، أو إذا ما بدأت في عمر متقدم، أو رافقها اضطراب نفسي.
ما هو دور المدرسة في علاج السرقة لدى الأطفال؟
لا يجب أن يتوقف علاج هذا السلوك عند الأسرة فقط، إذ يجب أن تقوم المدرسة بدور مهم كذلك، حيث تساعد المدرسة في تعزيز القيم الأخلاقية والتعاون والاحترام واكتشاف السلوكيات غير الحميدة في وقت مبكر، مما يساعد على علاجها.
يجب أن تتواصل الأسر مع المدارس بشكل دائم لمتابعة سلوك الأطفال.

كيف نحمي الأطفال من السرقة مستقبلا؟
حتى نحمي الأطفال من السرقة مستقبلا يتوجب علينا غرس الأمانة في نفوسهم مبكرا، وأن يكون الوالدان قدوة حسنة، لا يكذبون أمام الأطفال، كا يعملون على تعليم الطفل التعبير عن احتياجاته.
يمكننا أيضا الموازنة بين العطف والحزم، ومراقبة الأصدقاء والمحتوى الرقمي الذي يتابعه الطفل، ودعم الحوار داخل البيت.
خاتمة:
التربية من أعظم الأمانات التي يجب أن يؤديها المرء في حياته، وعندما نتعامل بحكمة ومسؤولية مع السرقة لدى الأطفال فإننا نؤدي بعضا من الأمانة، ونجنب الصغار في مستقبلهم الوقوع ضحية سوء تربيتنا، فهم قد يوصمون اجتماعيا، وقد يتتم معاقبتهم جنائيا، وقد نخرج للمجتمع أشخاصا بلا نزاهة أو أخلاق حسنة فنضيف إلى علاته علل جديدة.