تقارير و مقالات

نجوم لا تغيب: رسالة إلى كل أب وأم في اليوم العالمي للتوحد

في اليوم العالمي للتوحد نذكِّر بأن التوحد ليس نهاية العالم، بل بداية طريق مختلف

لأن طفلك لا يتكلم، لا يعني أنه لا يفهم
  • التربية صعبة، وتربية طفل توحدي أصعب بمراحل

بقلم د نجلاء عبد المحمود أحمد الجيلي.

ليس غياباً أن يختلف طريق طفلك عن دروب المألوف… فبعض الأضواء تولد زرقاء، وبعض السماء تزدان بنجوم لا تغيب أبداً، في اليوم العالمي للتوحد نقول أنت لست وحدك، وطفلك ليس وحيداً، والعالم يتعلم اليوم كيف يرى بعيون مختلفة.

في الثاني من أبريل من كل عام، يتحد العالم بلون واحد هو الأزرق، ليس احتفالاً باليوم العالمي للتوحد فقط، بل تذكيراً بأن هناك ملايين الأطفال يرون الحياة من نافذة مختلفة، ربما يكون طفلك واحداً منهم، ربما لا ينطق بعد، أو يكرر حركاته، أو يهرب من أعين الناس، وربما تشعر أحياناً بالتعب، أو الوحدة، أو الحيرة، لكن اليوم، نريد أن نقول لك كلمة ربما لم تسمعها بما يكفي: أنت تبذل جهداً بطولياً، وطفلك كنز ينتظر من يفهم لغته.

اليوم العالمي للتوحد
التوحد ليس مرضا

في اليوم العالمي للتوحد نذكِّر بأن التوحد ليس نهاية العالم، بل بداية طريق مختلف

كثير من الآباء يصابون بالصدمة عند أول تشخيص، يتساءلون: “هل الخطأ في تربيتي؟” “هل سيعيش طفلي طبيعياً؟” الحقيقة أن التوحد ليس مرضاً يُشفى منه، بل نمط عصبي مختلف.

طفلك ليس مكسوراً، وليس بحاجة إلى “إصلاح”، هو بحاجة إلى من يفهم أن صمته قد يكون حواراً، وأن تكرار حركاته قد يكون طمأنينة، وأن هروبه من الأصوات العالية ليس ضعفاً بل حساسية مفرطة تجاه عالم صاخب.

علامات مبكرة: لا تنتظر، ولا تخف

في اليوم العالمي للتوحد نقول لك: أنت كأب أو أم، أنت أقرب شخص إلى طفلك. انتبه إذا لاحظت:

· عدم الاستجابة لاسمه عند مناداته بعمر 12 شهراً.

· تأخر ملحوظ في الكلام أو فقدان مهارات لغوية كان يمتلكها.

· تجنب التواصل البصري بشكل مستمر.

· تنظيم الألعاب في صفوف بدلاً من اللعب التخيلي.

· حساسية غير طبيعية للأصوات أو الأضواء أو اللمس.

ليس كل تأخر يعني توحداً، لكن التشخيص المبكر يغير المستقبل، لا تؤجل زيارة المختص خوفاً من الإجابة.

اليوم العالمي للتوحدف
يتحد العالم في لون واحد هو الأزرق في الثاني من أبريل من كل عام

كيف تتعامل مع طفلك التوحدي؟

في سانحة اليوم العالمي للتوحد إليك خطوات عملية من قلب الخبرة:

  1. كن واضحاً ومباشراً.

طفل التوحد لا يفهم التلميحات أو السخرية أو المجاز، تحدث إليه بجمل قصيرة واضحة، بدلاً من “ألا تعتقد أن الوقت قد حان للنوم؟”، قل ببساطة: “اذهب إلى السرير الآن”.

  1. الروتين هو صديقك.

التغيير المفاجئ قد يكون كابوساً لطفل التوحد. حاول أن تجعل يومه منظماً: وقت الاستيقاظ، الأكل، اللعب، النوم.

إذا اضطررت لتغيير روتينه، أخبره مسبقاً وكرر الخبر أكثر من مرة.

  1. استخدم الوسائل البصرية.

الصور والبطاقات والجداول المرئية أحياناً أوضح من الكلمات.

يمكنك تعليمه بطاقات تعبر عن “أنا جائع”، “أريد ماء”، “أشعر بالتعب”.

الكثير من الأطفال غير الناطقين يتواصلون ببراعة عبر الصور.

  1. لا تجبره على التواصل البصري.

تحديقك في عينيه قد يكون مؤلماً له مثل تحديقك في الشمس، دعه ينظر إليك من زاوية أو من بعيد، الأهم أن يشعر بالأمان، وليس أن يمتثل لمعايير “الطبيعي”.

  1. كافئ السلوك الجيد فوراً.

إذا شاركك بلعبة، أو نطق كلمة جديدة، أو جلس بهدوء، كافئه فوراً بابتسامة، أو عناق (إذا كان يحب اللمس)، أو قطعة حلوى يحبها. التأخير في المكافأة يربكه.

ماذا تفعل في نوبات الانهيار؟

نقول لك في اليوم العالمي للتوحد: نعم، ستنهار طفلك أحياناً. سيبكي، يصرخ، يرمي بنفسه أرضاً في السوبر ماركت أو الشارع.

الجيران سينظرون، البعض قد يعلق، في تلك اللحظة، أنت بحاجة لأن تتذكر شيئاً واحداً: طفلك لا يتصرف بهذا السوء لأنه “شقي”، بل لأنه يشعر بفائض من المشاعر لا يعرف كيف يعبر عنها.

الخطوات العملية:

· تأكد أولاً أنه ليس في خطر (شيء يؤلمه، صوت عالٍ يزعجه، ضوء قوي).

· خذه إلى مكان هادئ إذا استطعت.

· لا تحاول الجدال أو الصراخ في وجهه (هذا يزيد الأمور سوءاً).

· اجلس بجانبه بصمت، أو قدم له شيئاً يحبه (سماعات عزل الصوت، لعبة مهدئة).

· انتظر حتى يهدأ، ثم ناقش ما حدث بكلمات بسيطة جداً.

رسالة خاصة للأمهات: أنتِ لست وحدكِ

الأمهات هُن الأكثر تحملاً لمسؤولية رعاية الطفل التوحدي في مجتمعاتنا، هذه حقيقة نذكرها في اليوم العالمي للتوحد.

أنتِ من تسمعين التعليقات الجارحة: “لو ربّيته زين ما صار هيك”، “أنتِ مدللته”، “عيب يطلع قدام الضيوف”.

الحقيقة أن هذه الجمل تؤلم أكثر من أي شيء آخر.

اليوم العالمي للتوحد
التوحد ليس نهاية العالم

اسمحي لنفسك بالبكاء أحياناً، خذي قسطاً من الراحة، اطلبي المساعدة من زوجك أو عائلتك.

صحتك النفسية ليست رفاهية، بل هي شرط أساسي لصحة طفلك، إذا انهارتِ أنتِ، من سيحميه؟.

كيف تتعامل مع الإخوة والمجتمع؟

لا تخف من إخبار إخوة طفلك التوحدي بالحقيقة بلغة تناسب أعمارهم.

علمهم أن أخاهم يختلف في طريقة تفكيره فقط، وأنه يحبهم لكنه لا يعرف كيف يظهر ذلك، لا تضع عليهم عبء رعايته، بل شجعهم على اللعب معه بطريقته.

أما المجتمع، فاختر معاركك، ليس عليك تثقيف كل من يقابلك، لكن عندما تجد فرصة لشرح بسيط: “طفلي توحدي، قد يبدو مختلفاً لكنه ليس مريضاً ولا معدي”، اغتنمها، كلمة واحدة منك قد تغير نظرة شخص للأبد.

لا تنسَ أن تحتفل بانتصاراته الصغيرة

نذكرك والعالم يحتفل باليوم العالمي للتوحد أنه ربما لن يحصل طفلك على شهادة الدكتوراه، لكنه قد يتعلم ربط حذائه بنفسه بعد ألف محاولة.

ربما لن يلقي خطبة في التخرج، لكنه قد ينظر في عينيك ويبتسم.

هذه اللحظات هي انتصارات حقيقية. احتفل بها كما لو كان قد فاز بجائزة نوبل.

كلمة أخيرة: أنت لست أقل من أي أب أو أم

التربية صعبة، وتربية طفل توحدي أصعب بمراحل، لكن تذكر: أنت لست فاشلاً لأن طفلك يختلف، أنت لست مذنباً لأن الجينات قررت أن يكون مساره مختلفاً، أنت لست وحدك في هذا العالم، فهناك ملايين الأسر تعيش ما تعيشه.

في هذا اليوم العالمي للتوحد، أضيئوا شمعة زرقاء في منازلكم ليس حزناً، بل إعلاناً أن نجومكم الزرقاء لا تغيب أبداً.

اغتنموا مناسبة اليوم العالمي للتوحد لتشاركوا صورة طفلكم بفخر على وسائل التواصل، لتعلموا العالم أن التوحد ليس عيباً ولا وصمة، بل اختلاف جميل يستحق الحب والفهم.

“لأن طفلك لا يتكلم، لا يعني أنه لا يفهم. لأنه لا ينظر في عينيك، لا يعني أنه لا يراك. لأنه مختلف، لا يعني أنه أقل.

أنت فقط بحاجة لأن تتعلم لغته، وعندها سترى عالماً لم تكن تعرف أنه موجود.”

بواسطة
د. نجلاء عبد المحمود أحمد
المصدر
خاص: شبكة أسبالتا الإخبارية

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى