هل يستفيد العرب فعلا من التاريخ لصياغة القرار السياسي؟
هل يحتاج القرار السياسي العربي إلى قراءة جديدة للتاريخ؟
- عندما تتم الاستعانة بالتاريخ بشكل متوازن يجمع ما بين فوائد دروس الماضي وفهم متغيرات الواقع الماثل واستشراف المستقبل يكون التاريخ شريكا أصيلا في صناعة القرار السياسي
كتب: علي عمر عبد العظيم.
التجارب الإنسانية الضخمة التي تكون التاريخ تحمل دروسا وعبرا لا يمكن تجاهلها عند صياغة المواقف الراهنة والمستقبلية والقرار السياسي في ظل تحديات السياسة الدولية.
في دول العالم المختلفة تفتح الدول وصناع القرار الأسفار وتدرس التجارب التاريخية عندما تكون بصدد صياغة مواقف سياسية واستراتيجيات كبرى، تأسيسا على قناعة بأن فهم الماضي وتحليله يساعد على تفادي تكرار الأخطاء ودعم فرص النجاح في اتخاذ القرارات السليمة والأفضل.
السؤال الملح في السياق العربي هو: هل يستفيد العرب فعلا من التاريخ عند صياغة القرار السياسي؟، أم أن التاريخ يبقى مجرد خطاب ثقافي وإعلامي يستخدم في تعزيز الهوية فقط ولا يستخدم عمليا في صياغة السياسات.
ما هي العلاقة بين التاريخ وصناعة القرار السياسي؟
نظريا لا يمكن إغفال التاريخ بوصفه أهم مصادر صناعة القرار السياسي، حيث تمثل التجارب السابقة رصيدا ضخما من الإلهام وفرصة لتأمل النتائج لا تتاح في غيرها من أساليب التفكير.
تنوع هذه التجارب سواء كانت أزمات اقتصادية أو حروبا أو تحولات اجتماعية ينير الطريق لاستيعاب أنماط السلوك السياسي وتوقع نتائج الخيارات.
أكدت التجارب على أن تفحص الأحداث التاريخية ودراستها من أساسيات بناء السياسات الواقعية والرشيدة في الحاضر.
لهذا الغرض أقامت حكومات مراكز بحوث ودراسات عملها هو دراسة التاريخ وصولا إلا العبرة والعلة ووضع قوالب نظرية تفيد المخططين وواضعي السياسات.
نجد ذلك في العالم العربي الذي لا يختلف من حيث المبدأ، فالتاريخ يتخذ مكانة بارزة عند العرب خاصة في الثقافة السياسية والفكرية، غير أنا مستوى الفائدة من التاريخ تبقى محل نقاش بين الباحثين.

كيف يؤثر التاريخ على القرار السياسي العربي؟
بإمكاننا تلمس تأثير التاريخ على القرار السياسي العربي عندما ننظر إلى العديد من القضايا الدولية والإقليمية، بل أن دولا عربية تتكئ على تجارب تاريخية بارزة عند صياغة المواقف من النزاعات أو التحالفات أو حتى العلاقات الدولية.
في الدول العربية تؤثر الذاكرة الاجتماعية على تشكيل الرأي العام، ويلزم ذلك واضعي السياسات بالاهتمام بالأبعاد التاريخية عند وضع سياسات جديدة أو حتى طارئة.
وقد تلقي أحداث حدثت قبل عقود بظلالها على أسلوب تعامل الحكومات مع قضايا الأمن القومي أو الحدود أو العلاقات مع الدول الكبرى.
غير أن المشكلة تكمن أحيانا في أن تأمل التاريخ يكون انتقائيا، إذ تستحضر أحداث وتستبعد أخرى رغم قيمتها، ويقود ذلك بدوره إلى تقديم قراءات بعيدة عن الواقع.
تحديات الاستفادة من التاريخ في القرار السياسي
يواجه تحويل التاريخ إلى أداة من أدوات التفكير في صناعة القرار السياسي، وأبرز هذه التحديات هو تسيير التاريخ بما يلائم الواقع.
لا يفوتنا ذكر أن بعد الأحداث التاريخية يجري استخدامها على نحو مدبر لخدمة توجهات سياسية ومواقف آنية عوضا عن اتخاذها مادة للتحليل الموضوعي.
هنا يكون التاريخ مجرد أداة لتبرير القرارات لا مصدرا محايدا لتقييمها ووزنها.
التحدي الثاني يتمظهر في الاختلاف حول تفسير الأحداث التاريخية، باعتبار أن التاريخ يخضع للقراءات المتنوعة التي قد تتباين بتاباين الزوايا الفكرية والسياسية والثقافية.
هذه التباينات في تفسير الأحداث تصعب عملية الإجماع على الدروس التي يمكن استخلاصها والاستضاءة بها.
لا ننسى أن بعض المؤسسات العربية ما زالت تعاني من ضعف المراكز البحثية التي تتمتع بالقدرة على الربط بين الخبرة التاريخية ومطلوبات الحاضر، ويقلل ذلك من فرص توظيف التاريخ في صناعة القرار السياسي بشكل فعال وواف.

عندما ينجح التاريخ في توجيه القرار السياسي
توجد من الشواهد ما يؤكد أن استدعاء التاريخ يمكن ان يشكل عاملا مهما في تطوير القرار السياسي، فالدول التي تتأمل تجاربها السابقة وتجارب غيرها بموضوعية تكون قادرة على تفادي تكرار الأخطاء خاصة الأخطاء الكارثية.
يمكننا القول بأن تجارب الحروب الأهلية المريرة دفعت بعض الدول إلى أن تكون حريصة على دعم الجبهة الداخلية والاستقرار والحوار بين مكونات المجتمع.
أيضا ساهمت تجارب اقتصادية سابقة على إنشاء وتطبيق سياسات إصلاحية تدعمها المعرفة.
هنا لا يكون التاريخ سجلا للأحداث فقط أو منهجا يجري تدرسه للطلاب، وإنما يتحول إلى أداة استشراف وتعليم وتخطيط.
مخاطر الاعتماد المفرط على التاريخ في القرار السياسي
ينبه بعض الباحثين إلى مخاطر الركون فقط إلى التاريخ عند صياغة القرار السياسي، باعتبار المتغيرات التاريخية والظروف الخاصة المعاصرة والطارئة.
تشهد الأمم حاليا تحولات سريعة في عالم التكنولوجيا وعوالم الاتصالات والاقتصاد والعلاقات الدولية، وهي عوامل لم تكن موجودة بذات الأشكال في القرون أو حتى العقود السابقة.
يدعم ذاك توجه البعض في أن الاعتماد الحرفي على التجارب التاريخية قد يقود إلى اتخاذ قرارات لا تواكب الواقع .
هنا يجب التأكيد على أن ضرورة اتخاذ التاريخ كمصدر إلهام لا وصفة سياسية كاملة الدسم وقابلة للتطبيق بشكل حرفي.

هل يحتاج القرار السياسي العربي إلى قراءة جديدة للتاريخ؟
يرى بعض الخبراء أن تجويد القرار السياسي العربي يتطلب إعادة النظر في كيفية الاستعانة بالتاريخ، فبدلا من استخدامه كأداة للجدل أو تبرير السياسات يجب استغلاله كمصدر تحليل علمي يقود إلى نتائج مثمرة وملهمة.
لا يمكن الوصول إلى ذلك إلا بدعم أدوار مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية ودعم التعاون بين المؤرخين وعلماء السياسة وواضعي القرارات السياسية.
ويتطلب ذلك أيضا السماح للثقافة النقدية بالانتشار بحيث تجري مراجعات تاريخية نزيهة وشفافة دون اعتبارات أيديولوجية.
بإمكان هذا النهج أن يسهم في بناء فهم عميق للتحديات الحالية، ويقدم لصناع القرار السياسي مساعدات جمة.
القرار السياسي بين دروس الماضي ومتطلبات المستقبل
لا سبيل غير الإقرار بكون التاريخ من أهم الموارد المعرفية وأضخمها، إلا أن قيمة التاريخ لا تكمن في مجرد استدعائه بل في القدرة على دراسته وتحليله واستخلاص العبر منه.
في الواقع العربي يظهر أن العلاقة بين التاريخ والقرار السياسي تحتاج المزيد من التطوير العلمي والمؤسسي، حيث يحضر التاريخ بوضوح في الخطاب الثقافي والسياسي دونما تحول كامل إلى أداة عملية تسهم في بناء السياسات المواكبة.
عندما تتم الاستعانة بالتاريخ بشكل متوازن يجمع ما بين فوائد دروس الماضي وفهم متغيرات الواقع الماثل واستشراف المستقبل يكون التاريخ شريكا أصيلا في صناعة القرار السياسي، لا روزنامة أحداث وقعت وانتهت.