الاقتصاد السياسي للصراعات الحديثة: كيف تغير الموارد شكل النزاعات العالمية؟
لماذا يظل الاقتصاد السياسي للصراعات إطارا طويل العمر
- لا يمكن اعتبار هذه الأدوات مجرد وسائل قتال، بل هي مصادر قوة اقتصادية
كتب: علي عمر عبد العظيم.
الاقتصاد السياسي للصراعات أحد أهم النوافذ التي تساعد على التحليل واستيعاب طبيعة الصراعات في القرن الحادي والعشرين، إذ تحولت طبيعة الحروب من مواجهات عسكرية بين جيوش فقط إلى جملة معقدة من المعطيات المتداخلة من مصالح اقتصادية وشبكات تمويل وتحالفات دولية وموارد طبيعية وتكنولوجيا.
بعد أن أصبح الجزء الأكبر من الحروب يُخاض خارج ميدان المواجهة العسكرية أضحى الاقتصاد السياسي للصراعات إطارا ضروريا لفهم أسباب الحروب واستمرارها وطرق إدارتها وكيفية إيقافها.

الاقتصاد السياسي للصراعات يفسر الحرب ويفسر استمرارها
كثيرا ما ارتكز تسير الحروب على العوامل السياسية والإيديولوجية والقومية، غير أن تطور الدراسات كشف عن دور الاقتصاد السياسي للصراعات في تقديم تفسير أكثر عمقا ووضوحا، حيث لا تبدأ النزاعات فقط نتيجة للخلافات، وإنما تستمر لأن هناك من يستفيد اقتصاديا من استمرارها.
المستفيدون من استمرار حرب ما هم غالبا فئات تعمل في نشاطات مثل:
1/ تهريب الأسلحة.
2/ تجارة الموارد الطبيعية.
3/ الضرائب غير القانونية.
4/ القوى الدولية التي تدعم الأطراف لتحقيق النفوذ السياسي.
على ذلك نتأكد من أن الاقتصاد السياسي للصراعات لا يفسر لنا فقط لماذا تندلع الحرب، بل يجيب كذلك عن سؤال: لماذا يصعب إنهاؤها.
دور الموارد الطبيعية في تشكيل الصراعات
الروابط بين الموارد الطبيعية والنزاعات هي أهم محاور الاقتصاد السياسي للصراعات، ويفسر ذلك حقيقة أن المناطق الغنية بالموارد مثل النفط والذهب والغاز والألماس والمياه هي أكثر البقاع عرضة للصراع.
لا يتطبق هذه الحقيقة بسبب الندرة فقط، وإنما بسبب القيمة الاقتصادية الضخمة لهذه الموارد، ولذلك تمظهرات جلية نلاحظها على مر القرون وكذلك في الوقت الحاضر، ومنها:
1/ صراعات السيطرة على النفط في الشرق الأوسط.
2/ حروب الألماس في القارة الأفريقية.
3/ نزاعات المياه بين الدول خاصة على موارد مياه الأنهار.
4/ التنافس الدولي على المعادن النادرة خاصة تلك الضرورية للتكنولوجيا الحديثة.
هذه الموارد وبدلا من أن تجلب التنمية للسكان والدول تتحول إلى وقود للصراع، إذ تعمل الأطراف المتحاربة أو المتنافسة على السيطرة عليها لأجل تمويل حربها أو فرض النفوذ السياسي.
يفسر ذلك رؤية مجتمعات تنقب عن الماس في أراضيها وهي أفقر شعوب الأرض، وأدناها في مستوى المعيشة والتنمية.
الاقتصاد غير الرسمي كعامل لاستمرار الصراعات
من أبرز التفسيرات التي يقدمها الاقتصاد السياسي للصراعات هو توضيحه لدور الاقتصاد غير الرسمي “اقتصاد الظل” في استمرار الحروب وإطالة آمادها، حيث تتشكل -في غالب الأحيان- شبكات اقتصادية غير رسمية تعتمد على نشاطات مثل:
1/ تهريب الوقود بين المناطق.
2/ الاتجار بالبشر.
3/ بيع الأسلحة.
4/ فرض الضرائب والأتاوات.
5/ فرض السيطرة على المعابر والطرق.
6/ تجارة وتهريب المخدرات.
هذه الشبكات تؤسس دخلا ثابتا لأطراف في الصراع، الأمر الذي يحول حالة الحرب إلى مصلحة اقتصادية يعني إنهاؤها انقطاع هذه المصلحة.
وهنا يظهر لنا كيف أن الاقتصاد السياسي للصراعات يفسر استمرار الحروب حتى مع وجود كلفة بشرية عالية ومؤلمة.
دور الشركات متعددة الجنسيات في الصراعات
من الخطأ الظن بأن الدول وحدها هي الفاعل في الحروب، فالشركات الكبرى خاصة تلك العاملة في مجالات الطاقة والتعدين والتكنولوجيا صارت بعضا من معادلة الاقتصاد السياسي للصراعات.
لا تقف هذه الشركات مكتوفة الأيدي حيال أي صراع يمس مصالحها أو يعرض تلك المصالح للخطر بل تتدخل عبر:
1/ الضغط السياسي من أجل حماية المصالح.
2/ دعم جماعات أو حكومات لضمان استمرار عملياتها.
3/ الاستفادة من حالات الفوضى للوصول إلى عقود مربحة وأكثر إدرارا للمال.
4/ استخدام شركات أمنية خاصة لحماية المنشآت والمصالح.
التشابك بين رأس المال العالمي والصراعات المحلية يجعل الحروب أكثر تعقيدا وأبعد أمدا.
التكنولوجيا والاقتصاد السياسي للصراعات
خلال عقود قليلة تقدمت التكنولوجيا لتكون جزءا أساسيا من التقتصاد السياسي للصراعات، لجهة اعتماد الحروب الحديثة على الهجمات السيبرانية والطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعيومراقبة البيانات والحرب الإعلامية الرقمية.
لا يمكن اعتبار هذه الأدوات مجرد وسائل قتال، بل هي مصادر قوة اقتصادية، لأن الدول المتقدمة في التكنولوجيا تكون الأكثرة قدرة على التأثير على مسارات الصراعات، وتكون الشركات التقنية لاعبا استراتيجيا مؤثرا في كل صراع ينشب حتى وإن بدأ تقليديا.
الاقتصاد كأداة نفوذ للقوى الإقليمية والدولية
أدوار القوى الكبرى من أدوات تحليل أي صراع، فتلك الدول تمتلك أسلحة اقتصادية مثل العقوبات والمساعدات والاستثمارات والتسليح، وكلها أدوات مؤثرة في مسار أي صراع.
يتمظهر ذلك في الدعم الاقتصادي للحلفاء، وإضعاف خصومهم بالعقوبات، وبسط النفوذ بالاستثمار في مناطق النزاع، والتحكم في خطوط الطاقة والتجارة.
وبهذا يكون الاقتصاد بعضا من الاستراتيجية الكبرى وليس عاملا ثانويا.

الإدارة السليمة للاقتصاد خلال الحرب
خلال الحرب وقمة فترات تداخل العوامل والأولويات يجب أن تتم حماية العملة ومنع الانهيار المالي، من خلال ضبط سعر الصرف في البنك المركزي، ومنع المضاربات في العملة والسلع، وتأمين الاحتياطي النقدي عبر تأمين خطوط التمويل والدعم الخارجي.
وينبغي التشدد في إدارة الموارد مثل الوقود والغذاء والدواء والطاقة والمواد الخام، مع تحديد أوليات الاستهلاك للجيش والمستشفيات والخدمات الأساسية، ومنع الاحتكار والتخزين وتقنين السلع الأساسية وتوجيه الانتاج إلى الضروريات.
ولأن الحرب تؤثر على نحو كبير على سلاسل الإمداد فلا بد من دعم الصناعة المحلية ودعم إعادة تشغيل المصانع المتضررة وتشجيع الابتكار المحلي.
وتحتاج الدولة إلى تمويل الحرب دون تدمير الاقتصاد، من خلال الضرائب المؤقتة والسندات الحكومية والقروض الخارجية وإعادة توجيه الإنفاق الحكومي وعدم التوسع في طباعة النقود والحذر في ذلك.
وعلى الدولة عدم الاعتقاد بأن الحرب عبارة عن معركة عسكرية فقط، فالمعركة الاجتماعية أكبر، لذلك يتعين دعم الأسر ذات الدخل المحدود، وتوفير شبكات الأمان الاجتماعي، وضمان توفر الغذاء والدواء بأسعار مناسبة، ومنع انهيار خدمات التعليم والمياه والصحة والكهرباء.
ويتعين على الدولة أن تصدر البيانات الاقتصادية الشفافة في مواجهة الشائعات ونشر تقارير دورية عن المخزون والاحتياطي دونما إضرار بسرية المعلومات في وقت الحرب، وبث الطمأنينة دون تضليل في أوساط المواطنين المدنيين.
اقتصاد ما بعد الحرب وإعادة الإعمار
بنهاية حرب ما تبدأ صفحة جديدة من الاقتصاد السياسي للصراعات.
ويعتقد الكثيرون أن مرحلة إعادة الإعمار تنحصر في إعادة بناء الجسور والمرافق المدمرة والطرق، ولكن هذه المرحلة هي عملية سياسية في المقام الأول لأنها تحدد الجهات التي تسيطر على الموارد، والجهات التي تحصل على عقود إعادة البناء، وكيفية إعادة هيكلة الدولة، والجهات ذات النفوذ الاقتصادي في المستقبل.

في هذه المرحلة تتنافس الدول والشركات على هذه الغنيمة من أجل الحصول على عقود إعادة الإعمار وإصلاح ما دمرته الحرب، وهذه الحالة يعدها الخبراء امتدادا للصراع وإن اختلفت الوسائل.
لماذا يظل الاقتصاد السياسي للصراعات إطارا طويل العمر؟
يحدث ذلك بسبب التغير العالمي المستمر، الذي يُبقي العلاقة بين الاقتصاد والصراع ثابتة، فطالما توجد الموارد والمصالح والتنافس يظل الاقتصاد السياسي للصراعات أداة لفهم أسباب الحروب، وديناميات استمرارها، والقوى المستفيدة منها، وطرق إنهائها، ومتقبل النظام العالمي.
إنه إطار طويل العمر لسبب تعامله مع جذور الصراع وليس مظاهره فقط.
الخاتمة:
لأجل فهم العالم لا بد من فهم الاقتصاد السياسي للصراعات، إذ لم تعد الحروب الحديثة مواجهات عسكرية عمياء، بل أصبحت شبكات مصالح اقتصادية متسعة وتداخلات بين الدول والجماعات المسلحة والشركات الكبرى والموارد والتكنولوجيا.
كلما درسنا هذه التشابكات والعلاقة بينها كلما كنا أكثر قدرة على تفسير الصراعات والتنبؤ بمساراتها والمساهمة في إنهائها.