مشروع الدولة الوطنية في السودان.. هل نال السودان الاستقلال قبل اكتمال فكرة الدولة؟
مشروع الدولة الوطنية في السودان بين الهوية والمؤسسات
- توافق السودانيون على الاستقلال ولم يبحثوا أساس الجمهورية
كتب: علي عمر عبد العظيم.
لا تكاد تخلو المناقشات السياسية والفكرية بين السودانيين من الأسئلة المرتبطة بمشروع الدولة الوطنية في السودان منذ نيل البلاد استقلالها عن التاج البريطاني في 1/1/1956.
يومها احتفل السودانيون بالتحرر من الحكم الثنائي الإنجليزي – المصري ليجدوا أنفسهم في اليوم التالي أمام سؤال حول ما إذا كانت خطوة الاستقلال قد جاءت عقب اتفاق وطني على شكل الدولة الجديدة وهويتها ونظام حكمها، أم أن السودان دخل مرحلة ما بعد الاستعمار دون رؤية واضحة وملزمة لإدارة التنوع الثقافي والجغرافي والإثني.
يصر باحثون سودانيون كثر على أن أزمات السودان تعود إلى منشأ واحد هو عدم وجود المشروع الوطني المتفق عليه، فيما يؤكد باحثون على جانب آخر أن المعضلة لم تكن غياب المشروع وإنما في النخب السياسية التي كان عليها تطبيقه وتطويره بمسؤولية توازي أهميته بعد الاستقلال.
كيف تشكل مشروع الدولة الوطنية بعد الاستقلال؟
خلال العقود الأخيرة من الحكم الإنجليزي للسودان بدا واضحا تكون وعي وطني سوداني سيقود حتما نحو صدام مفض إلى الاستقلال.
وتمشهد ذاك الوعي في ظهور مؤتمر الخريجين في عام 1938، وهو جسم قدم الكثير في سبيل انتزاع حقوق السودانيين والمطالبة بإعطائهم المزيد من فرص المشاركة في إدارة بلادهم.
وسرعان ما تنامت الروح الوطنية خلال عقدي الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وهو ما تبعه حدوث انقسامات كبيرة في القوى السياسية، خاصة في مسألة “الاستقلال الكامل أو الوحدة مع مصر”.
ونجحت القوى السياسية في بلوغ هدف الاستقلال، غير أنها لم تنجح في التوافق حول مشروع الدولة الوطنية في السودان بعد جلاء المستعمر.
لم توجد وثيقة جرى التوافق حولها بشكل شامل لتوضيح شكل الحكم، أو شكل العلاقة بين المركز والأقاليم، أو كيفية وآليات إدارة التنوع الثقافي واللغوي والديني الذي يميز السودان بشكل كثيف يلح على الانتباه.

هل استقل السودان قبل الاتفاق على شكل الدولة؟
يؤكد أكاديميون كثر أن السودان نال الاستقلال قبل الاتفاق على شكل الدولة إلى حد كبير.
يشيرون إلى أن الاستقلال السياسي تم قبل الوصول إلى توافق شامل حول طبيعة الدولة، مستدلين على ذلك بقضية جنوب السودان التي كانت مؤشرا مبكرا على هذا التحدي.
في وقت باكر وقبل استقلال السودان نادى قياديون جنوبيون بالنظام الفيدرالي الذي يعطي الأقاليم سلطات واسعة، غير أن تلك الرؤية لم تجد الاستجابة حينها.
على مدى طويل ظل الجدل محتدما حول هوية الدولة، هل هي عربية أم أفريقية أم سودانية تستوعب الجميع وتعبر عنهم؟
وغاب على السياسيين والمفكرين المؤثرين خطورة استمرار هذا الجدل دون حسم بشكل نهائي، مما ألقى بظلال سلبية على الحياة الاجتماعية والسياسية والوجدان السوداني.
كان الاعتقاد السائد أن النقاش حول هوية الدولة السودانية نقاش صحي يثري الساحة الوطنية، لكنه في الواقع كان قوي الأثر على الوحدة الوطنية وأدى لاحقا إلى انقسامات مجتمعية حادة.
مشروع الدولة الوطنية في السودان بين الهوية والمؤسسات
مشروع الدولة الوطنية في السودان لا يقف عند أمر تحديد هوية الدولة فقط، وإنما ينسحب على جانب مهم هو إيجاد مؤسسات حصينة قادرة على تحقيق سيادة القانون وبسط العدالة والمشاركة السياسية.
لقد ورث السودان نظاما إداريا جيدا من الاستعمار، إلا أن ذلك الجهاز لم تتم مراجعته وإعادة صياغته بحيث يعبر عن العلاقة بين الدولة والمجتمع وفق الواقع الجديد.
بشكل متنام واجهت الحكومات السودانية تحديات اقتصادية وتنموية كبيرة، مصحوبا ذلك بضعف المؤسسات الدستورية وهو ما جعل البلاد ساحة مفتوحة للانقلابات العسكرية والصراعات السياسية الهدامة.
هل كانت الأزمة في غياب المشروع أم في فشل النخب؟
اليوم يغرق السودان في الحرب، وهو الذي يعيش حالة الحرب حتى من قبل إعلان استقلاله، وهو ما يجعل السؤال أكثر إلحاحا.
وتتباين التفسيرات لجذور الأزمة السودانية، إذ يؤكد البعض أن مشروع الدولة الوطنية في السودان لم يكتمل أصلا قبل الاستقلال، وهو ما أقحم السودان في مرحلة بناء الدولة دون اتفاق على أسسها.
ويؤكد فريق ثان أن المشروع كان موجودا في صورته العامة، حيث توافق السودانيون على الاستقلال والديمقراطية البرلمانية والدولة الوطنية، إلا أن النخب السياسية فشلت في إدارة الخلافات وتطوير المؤسسات، مما شجع الانقلابات العسكرية وتسبب في الحروب الأهلية.
يدفع أصحاب هذا الاتجاه بأن دولا عديدة استقلت دون وثائق وطنية مكتملة لكنها تمكنت من إنشاء مؤسسات مستقرة اعتمادا على التوافق السياسي والإصلاح المتدرج.
الانقلابات والحروب وأثرها على مشروع الدولة الوطنية في السودان
السودان الذي نال استقلاله في 1956 تعرض منذ عام 1958 لسلسلة انقلابات عسكرية قطعت مسار التحول الديمقراطي أكثر من مرة.
ودارت في البلاد حروب داخلية طويلة استنزفت الموارد وعطلت التنمية، حتى أن التاريخ السياسي يشير إلى أن أطول حروب أفريقيا دارت في السودان.

هذه الأحداث السريعة تسببت بلا شك في تراجع فرص استكمال مشروع الدولة الوطنية في السودان، حيث انشغلت الحكومات بالتعامل مع الأزمات الراهنة بدلا عن التعامل مع القضايا الهيكلية المتصلة بالتنمية والحكم والعدالة والتداول الدستوري للسلطة.
قادت الأزمات الاقتصادية والهجرة والنزوح إلى المزيد من التعقيدات، ومع مرور عقود طويلة بات بناء دولة مستقرة أمرا أكثر صعوبة.

لماذا لا يزال مشروع الدولة الوطنية في السودان مطروحا حتى اليوم؟
مرت أكثر من 70 عاما على الاستقلال وما يزال الحديث عن مشروع الدولة الوطنية في السودان يدور في المبادرات السياسية والحوارات الوطنية.
ذلك لسبب استمرار الأسئلة الجوهرية المتعلقة بشكل الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم وإدارة التنوع وتحقيق المواطنة المتساوية وإصلاح وتطوير المؤسسات.
يشدد الكثير من المفكرين على أن أي تسوية سياسية مستدامة في السودان لا بد أن يكون أساسها التوافق الشامل حول هذه القضايا، وهو ما يوفر المشاركة الشاملة من الجميع في صياغة المستقبل.
يصعب الجزم بأن السودان نال استقلاله بلا وجود دولة وطنية على الإطلاق، وفي ذات الوقت يصعب التأكيد على أن المشروع كان مكتملا، والقريب إلى الواقع أن الاستقلال تم في ظل توافق على جلاء الإنجليز لكنه لم يصحب باتفاق شامل حول أسس الدولة الوليدة.
هذا هو منشأ الجدل المستمر حول مشروع الدولة الوطنية في السودان، وهو جدل لم يعد يرتبط بالماضي فقط وإنما بحاضر البلاد ومستقبلها.
بناء دولة مستقرة لا يعتمد على الاستقلال السياسي فقط، بل يحتاج إلى عقد اجتماعي جامع، ومؤسسات قوية، ونظام حكم يحقق العدالة والمشاركة ويحترم التنوع.
التجربة السودانية تقدم درسا مفاده أن استقلال دولة ما هو بداية الطريق لا نهايته، وأن نجاح الدولة الوطنية يرتبط بقدرتها على تحويل التنوع إلى مصدر قوة، وبناء مؤسسات تحظى بثقة كل المواطنين وتستوعب تطلعاتهم، وهي مهمة ما زالت أمام السودانيين حتى اليوم.