تقارير و مقالات

ما هي العوامل المؤثرة على توزيع اهتمام الإعلام العالمي بالقضايا الدولية؟

العوامل المحددة لأولويات الإعلام العالمي

لماذا يهتم الإعلام بقضايا ويتجاهل أخرى رغم أهميتها؟
  • ما هي العوامل المحددة لاتجاهات التناول في مستوى الإعلام العالمي؟

كتب: محمد عباس الباشا.

لا يمكن الحديث عن الوعي الجمعي تجاه القضايا الدولية دون الحديث عن دور الإعلام العالمي في ذلك ومدى تأثيره، حيث يحدد ما يختاره الإعلام لتغطيته وما يقرر تجاهله على نحو كبير تصورات الرأي العام للأحداث.

على الرغم من أن أهمية الحدث يمكنها أن تبرر التغطية الإعلامية ويبدو ذلك موضوعيا من خلال النظرة الأولى، إلا أن الأمر أكثر تعقيدا مما يظن الكثيرون.

تؤثر شبكة عنكبوتية من العوامل السياسية، والثقافية، والاقتصادية على توزيع اهتمام الإعلام العالمي، الأمر الذي يجعل قضايا بعينها متصدرة للمشهد وتتم تغطيتها بكثافة، بينما تختفي قضايا أخرى من ساحة التناول الإعلامي بالرغم من جسامتها.

هذه العوامل المؤثرة نصل من تحليلها لفهم كيفية تشكل السرديات الدولية، وكيفية وحجم تأثر الرأي العام بناء على ما يتم تكثيف تناوله من قضايا.

الإعلام المهني الحقيقي لا تتم الاختيارات فيه بشكل عشوائي، إنما يحدث ذلك نتاج تفاعلات بين القوى الكبرى، وأجندات المؤسسات الإعلامية، واتجاهات الجمهور المتلقي، والإمكانات التقنية، وغير ذلك من العناصر التي تضع الإعلام العالمي محل فعل نافذ وقوي في صناعة المواقف تجاه القضايا الدولة أو الإلمام بها.

الإعلام العالمي
لا تكون أهمية الحدث وحدها كافية لإبرازه في غالب الحالات

العوامل المحددة لأولويات الإعلام العالمي

القوة الجيوسياسية للدول ذات الشأن

يهتم الإعلام العالمي على نحو ثابت بجعل شؤون الدول ذات النفوذ السياسي في الصدارة من حيث ترتيب الاهتمام وكثافته.

على سبيل المثال فإن وقوع حدث في دولة مثل الولايات المتحدة أو الصين أو أوروبا فإنه في الغالب يحصل على تغطية واسعة واهتمام كبير من الإعلام العالمي، ذلك إذا ما قارناه بأحداث كبيرة لا تجد اهتماما يذكر في الدول النامية.

يعود السبب في ذلك إلى أن الأحداث في الدول الكبرى غالبا ما تجر آثارا على الاقتصاد العالمي والعلاقات السياسية ولذلك يتم تقييمها على أنها أكثر أهمية وجاذبية.

بالطبع ظاهرة اهتمام الإعلام العالمي بأحداث الدول الكبرى دون غيرها يجعل التغطية الكلية للقضايا غير متوازنة، ويخلق فجوة لا يحسها غير المهتمين في الصورة العالمية ككل.

مصالح المؤسسات الإعلامية ومشغليها

الإعلام العالمي يتأثر على نحو مباشر بالمؤسسات التي تموله وتديره، سواء كان التمويل حكوميا أو خاصا، ولا يمكن تناسي أن لتلك الجهات التي تمول وتدير مؤسسات الإعلام رؤى خاصة واتجاهات سياسية وأولويات اقتصادية تفرض نفسها بقوة على السياسات التحريرية.

لكي نفهم ذلك يمكننا تحليل العديد من الظواهر الإعلامية الماثلة حينما يركز إعلام دولة معينة على قضايا محددة تعزز صورتها الدولية أو تدعم تحالفاتها السياسية، في وقت يتجاهل قضايا أخرى لا تصب في خدمة هذه المصالح أو تعارضها.

أما المؤسسات الإعلامية الربحية والاستثمارية فنلاحظ فيها ظواهر يفسرها الاهتمام بما تحدده نسب المشاهدة، والإعلانات، حيث تحدد أولويات التغطية جملةٌ من العوامل، أبرزها ما هية ما هو أكثر جذبا للجمهور بغض النظر عن درجة أهميته الحقيقية.

لا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال دور الممول في تشكيل ما هو مهم وغير مهم في تناول الإعلام العالمي للقضايا.

حجم التأثير الدرامي والإنساني

ينجذب الإعلام العالمي في العادة نحو القضايا والأحداث ذات الطابع الدرامي والإنساني، مثل الكوارث الطبيعية، ونواتج الأعاصير والزلازل والفيضانات، والحروب، والأزمات الإنسانية.

تكتسب هذه القضايا اهتمام المتلقي لاحتوائها على صور ومشاهد مناسبة للإعلام البصري، وبالرغم من أهمية تغطية مثل هذه الأحداث إلا أن التركيز عليها يضيق مساحة العرض والتناول على قضايا أخرى طويلة الأمد وقوية التأثير مثل تدهور التعليم، والتغير المناخي، والقضايا السياسية والاجتماعية المزمنة.

الإعلام العالمي
وجود شبكة الإنترنت يشجع الإعلام العالمي بتوفير الوثائق والصور

علاقة الجمهور بالأحداث

دراسة الجمهور المستهدف من أساسيات قيام ومباشرة وسائل الإعلام لعملها، وقد تتفاوت درجات تأثير اتجاهات الجمهور على المحتوى المقدم، إلا أن ذلك التأثير لا بد من وجوده ضمن سياسات التحرير واتجاهات التناول.

في الغالب تميل وسائل الإعلام نحو تغطية القضايا التي تهم جمهورها، سواء كان بسبب القرب الجغرافي أو الثقافي، حيث يهتم الناس في أوروبا مثلا بقضايا مثل الهجرة والنزاعات في الجوار، وأخبار الاتحاد الأوروبي، في حين أن الناس في الشرق الأوسط يصبون الاهتمام على الأحداث الإقليمية، والأمور الدينية، والسياسية المرتبطة بمنطقتهم.

علاقة الجمهور بالحدث أو القضية في كل منطقة يؤثر بشكل مباشر على اتجاهات التناول في الإعلام العالمي، ويفسر ذلك اختلاف التغطية بين منطقة وأخرى بالرغم من أن الحدث المتناول واحد، ويعدد ذلك السرديات حول قضية واحدة بحسب علاقة الحدث بالجمهور.

فعالية أجهزة الإعلام في الحصول على المعلومات

على نحو كبير يحصل الحدث الذي يسهل على الصحفيين الوصول إليه، وتتوفر حوله الوثائق والصور على تغطية كبيرة، وفي الوقت ذاته تعاني الدول التي تمنع الصحفيين أو تحجب المعلومات من تجاهل كبير لقضاياها.

وتؤثر عوامل أخرى في هذا الجانب مثل توفر شبكة الإنترنت في منطقة الحدث والذي يسهل وصول الصور ومقاطع الفيديو والشهادات، مما يساعد أجهزة الإعلام العالمي على تناول الحدث.

بالمقابل تموت قضايا كثيرة ومهمة بسبب عدم التغطية الإعلامية، حيث أن حياة قضية وموتها مرتبطان بحجم وجودها وتداولها في ساحة الرأي العام.

الإعلام العالمي
تعاني الدول التي تعيق عمل الصحافة من غياب قضاياها في الإعلام

الأجندة السياسية للدول والمنظمات

تعدد اتجاهات الغطية الخبرية أو تحديد أولويات التناول تؤثر فيه كذلك السياسة الدولية، فنجد الدول على سعي دائم نحو توجيه تركيز الإعلام العالمي تجاه قضايا تصب في مصالحها، مثل التركيز على تصوير أعدائها بشكل سلبي، أو التركيز على تهديدات معينة.

في كثير من الأحيان لا يمكن النظر إلى التغطية باعتبارها معالجة موضوعية للأحداث بقدر ما هي نتاج ضغوط دبلوماسية وتمويلية أو حملات رقمية تهدف إلى تضخيم قضايا ودفن الأخرى تحت ركام النسيان.

ضغط الرأي العام

في الماضي كان الإعلام التقليدي هو صانع اتجاهات الرأي، بيد أن الواقع تغير اليوم، فقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي قوة دافعة لها القدرة الحاسمة في جعل الأحداث محور اهتمام العالم.

وكم من قضية تجاهلتها وسائل الإعلام تحولت إلى ترند عالمي خلال ساعات، مدفوعة بقوة تبني الجمهور لها، وذلك يجبر وسائل الإعلام على تغطيتها بشكل أو بآخر خوفا من فقدان الجمهور أو الاتهام بالتحيز.

عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي أصبح الجمهور مؤثرا على خارطة التناول الإعلامي في الإعلام العالمي.

التنافس بين المؤسسات الإعلامية

التغطية الآنية والمكثفة لحدث ما كثيرا ما تكون مدفوعة بالتنافس بين الشبكات الإعلامية، وما إن تبدأ مؤسسة كبيرة بتغطية قضية ما حتى تسارع المؤسسات الأخرى باللحاق بها حتى لا تكون خارج المشهد.

التنافس الملحوظ يقوي حضور بعض القضايا في الساحة الإعلامية، حسب رغبات من يبدأ السباق أولا، وفي الوقت ذاته تتوارى قضايا أخرى قد تكون مهمة في ظل الأحداث المتناولة بكثافة وتركيز.

ختاما

يظهر مما سبق أن توزيع اهتمام الإعلام العالمي بالقضايا الدولية عملية متشابكة، تسهم في نسجها قوى سياسية واقتصادية وثقافية وتقانية.

ليست أهمية الحدث نفسه كافية لتوجيهه نحو تصدر دائرة اهتمام الإعلام العالمي، بل من يملك القدرة على إبرازه، وكيف يفهم من جانب الجمهور المتلقي، وما إذا كان يخدم المصالح الاقتصادية والسياسية للجهات المؤثرة.

لا يمكننا فهم صورة العالم في الإعلام العالمي دون إدراك هذه العوامل المتحكمة في حياكة وتفصيل السرديات الغالبة والتي تهدف إلى تحديد ما نجهله وما نعرفه، وإبراز ما يراد لنا إدراكه وإخفاء ما هو غير ذلك.

إن تعاطي الجمهور الواعي مع ما يتناوله الإعلام لا بد أن ينتبه لمحددات التناول، حتى يستطيع تكوين قراءة نقدية رشيدة للمشهد الدولي أو الإقليمي على ضوء اتجاهات العرض التي يقدمها الإعلام الدولي.

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى