تقارير و مقالات

الحدود النفسية.. وكيف تقول “لا” دون أن تشعر بالذنب

ماذا يحدث حين تختفي الحدود النفسية؟

لماذا لا يستطيع بعضنا قول "لا" ؟
  • قول “لا” ليس مهارة اجتماعية فحسب، بل مهارة للحفاظ على صحتك النفسية

كتب: د. أبي عادل القاسم.

في كل علاقة بشرية، هناك مساحات مشتركة ومساحات خاصة.

ويمكن القول إن أكثر ما يرهق الإنسان اليوم ليس كثرة المسؤوليات فقط، بل كثرة “التداخل” بينه وبين الآخرين: طلبات، توقعات، ضغوط، وإلحاح مستمر على وقتك وطاقتك.
هنا تظهر أهمية مفهوم “الحدود النفسية” تلك الخط الفاصل بين ما يخصّك أنت، وما يتجاوز قدرتك أو راحتك.

ورغم أن الحفاظ على هذه الحدود يبدو بديهياً، إلا أن الكثيرين يجدون صعوبة كبيرة في استخدام كلمة بسيطة مثل “لا”، وكأنها تحمل تهديداً لعلاقاتهم أو لقيمتهم الذاتية.

ما هي الحدود النفسية؟


الحدود النفسية هي القواعد الداخلية التي تحدد ما الذي تقبله في حياتك وما الذي لا يناسبك.
هي الطريقة التي تقول بها للآخرين: “هذا مسموح… وهذا غير مقبول”.
تشمل عدة جوانب منها

  • حدود الوقت: كيف ومتى تمنح وقتك للآخرين.
  • حدود العاطفة: ما الذي تتحمله عاطفياً وما الذي يفوق طاقتك.
  • حدود العلاقات: ما الذي يُقال لك، وكيف يُتعامل معك.
  • حدود العمل: مسؤولياتك وما يقع خارج إطار دورك.
  • حدود الطاقة: معرفة متى تتوقف قبل أن تُستنزف.
    وجود حدود صحية لا يعني الانعزال، بل يعني احترام الذات، وحماية صحتك النفسية، والحفاظ على علاقات متوازنة.

لماذا يجد البعض صعوبة في قول “لا”؟


كلمة قصيرة لكنها ثقيلة على الكثيرين، يعود ذلك إلى عدة أسباب نفسية واجتماعية:

  • الخوف من الرفض:
    يشعر البعض أن الرفض سيجعل الآخرين يغضبون أو يبتعدون عنهم.
  • الرغبة في الظهور بمظهر الشخص اللطيف:
    يربط بعض الناس قيمتهم بمقدار ما يقدمونه من تنازلات.
  • القلق من جرح مشاعر الآخرين:
    وهو دافع نبيل. لكن المشكلة حين يتحوّل إلى عبء نفسي.
  • التربية الصارمة:
    بعض البيئات تربط الاحترام بالطاعة، والقبول بالتضحية المستمرة.
  • انخفاض تقدير الذات:
    الشخص الذي لا يرى نفسه مهمة بما يكفي لن يرى أن له الحق في الرفض.
    بهذه الأسباب يتشكل نمط دائم هو إرضاء الآخرين على حساب نفسك.
الحدود النفسية
مع بقاء الود يمكننا أن نقول “لا”

ماذا يحدث حين تختفي الحدود النفسية؟


حين يسمح الإنسان بتجاوز حدوده مراراً، وتتلاشى الحدود النفسية تظهر آثار نفسية واضحة منها

  • إرهاق مستمر حتى في أبسط الأيام.
  • شعور بالاستغلال أو عدم التقدير.
  • توتر في العلاقات.
  • فقدان الثقة بالنفس.
  • غضب داخلي مكتوم.
  • احتراق نفسي نتيجة العطاء بلا توقف.
    اللافت أن الأشخاص الذين لا يضعون حدوداً غالباً ما لا يلومون الآخرين، بل يلومون أنفسهم:
    “كان لا بد ان ارفض… لكن لم أستطع.”
    وبهذا يتحوّل غياب الحدود إلى ضغط ذهني وعاطفي متراكم.

الحدود النفسية ليست قسوة… بل احترام متبادل


هناك اعتقاد شائع أن وضع حدود يعني أن تصبح شخصاً قاسياً أو غير متعاون، وهذا غير صحيح.
الحدود تمنحك مساحة آمنة، وتمنح الآخرين وضوحاً.
العلاقات التي لا يوجد فيها حدود تتحول بمرور الوقت إلى علاقات مرهقة أو متسلطة أو غير متوازنة.
أما العلاقات التي تُدار بحدود صحية، فهي علاقات:

  • أوضحة
  • صادقه
  • أكثر احتراماً
  • وأكثر قدرة على الاستمرار
الحدود النفسية
لا ينبغي أن يخجل الشخص من الاعتذار عن تكليف ما

كيف تعرف أن حدودك ضعيفة؟


هناك علامات تشير إلى أنك تحتاج لمراجعة حدودك النفسية:

  • توافق على طلبات لا تناسبك خوفاً من الإحراج.
  • تشعر بالذنب كلما فكرت في قول “لا”.
  • تتحمل أعباء ليست مسؤوليتك.
  • تغضب داخلياً لكنك تبتسم خارجياً.
  • تشعر أن وقتك ليس ملكاً لك.
  • تجد نفسك دائماً “مضغوط” بسبب التزامات لم ترغب فيها.
    هذه الإشارات ليست اتهاماً… بل دعوة لإعادة التوازن في حياتك.
الحدود النفسية
يمكنك قول “لا” إن كنت لا تستطيع أو لا ترغب

كيف تقول “لا” دون الشعور بالذنب؟


هنا تبدأ الخطوات العملية. الهدف ليس الرفض العشوائي، بل بناء مهارة نفسية صحية.
أولاً افهم أن الرفض حق وليس خطيئة
أنت لست مسؤولاً عن تلبية كل الطلبات.
وقول “لا” لا يعني أنك شخص سيئ أو غير متعاون.
هو ببساطة تعبير عن الحدود النفسية الخاصة بك.


ثانياً استخدم صياغة محترمة وواضحة
يمكن قول “لا” دون صدام:

  • “للأسف لا أستطيع الآن.”
  • “عندي ارتباطات سابقة.”
  • “لا أستطيع أن التزم بهذا الآن.”
  • “انها خارج طاقتي.”
    وضوحك أفضل من الموافقة تحت الضغط.
    ثالثاً لا تشرح أكثر من اللازم
    الشرح المفرط محاولة غير واعية لتبرير حقّك.
    يكفي توضيح قصير وهادئ، فالتبرير الطويل يضعف موقفك.
    رابعاً ضع بديلًا إن رغبت
    إذا أردت المساعدة بقدر معقول، يمكنك قول:
    لا أستطيع فعل هذا … لكن ممكن أساعد بهذه الطريقة.”
    هذا يوازن بين دعمك للآخرين وحماية نفسك.
    خامساً لاحظ شعور الذنب… ولا تتبعه
    الشعور بالذنب طبيعي لمن اعتاد العطاء المفرط، لكنه ليس مؤشراً على خطأ.
    تغيير العادات يحتاج وقتاً، فلا تعاقب نفسك.
    سادساً تعلّم احترام وقتك وطاقتك
    حدودك ليست فقط للآخرين، بل لك أيضاً.
    حدد ساعات للراحة، والخلوة، والالتزامات الحقيقية.
    من يحترم وقته… يحترمه الآخرون.
    سابعاً توقع مقاومة من بعض الأشخاص
    الناس الذين اعتادوا على أنك “المتوفر دائماً” قد ينزعجون حين تبدأ بوضع حدود.
    هذا طبيعي.
    التغيير الحقيقي يمرّ ببعض الاضطراب أولاً… ثم يستقر.
    ثامناً لا تتراجع إذا كان قرارك صحيحاً
    التراجع المتكرر يجعل الآخرين لا يأخذون حدودك بجدية.
    كن ثابتاً… بلطف.

الفوائد النفسية لوضع الحدود


عندما يمارس الإنسان حدوداً صحية، تتغير حياته داخلياً وخارجياً:

  • طاقة أعلى
  • علاقات أكثر اتزاناً
  • تقدير أعلى للذات
  • تراجع الشعور بالاستغلال
  • وضوح أكبر في التعامل
  • راحة ذهنية
  • وقت أكبر لما يهمك
    الحدود النفسية ليست طريقة لتقييد العلاقات… بل لإنقاذها.

الخلاصة
قول “لا” ليس مهارة اجتماعية فحسب، بل مهارة للحفاظ على صحتك النفسية.
الحدود النفسية ليست جدراناً تفصلك عن الناس، بل هي الأبواب التي تنظّم الدخول والخروج.
وحين تتعلم الدفاع عن وقتك وطاقتك وراحة بالك، ستحصل على حياة أكثر هدوءاً وتوازناً، وستكون قادراً على العطاء بطريقة صحية… دون أن تفقد نفسك في الطريق.

بقلم🖋
أبي عادل القاسم الجاك
اختصاصي ومعالج نفسي
رقم العيادة الاونلاين واتساب
00249116071234

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى